بقلم: ك. م.

في المجتمعات الحديثة أصبح وللأسف الشديد الدينار هو الوحيد الذي يَكفل لصاحبة الأمن والآمان داخل بيئته وبين أركان محيطه، هذا ليس  فقط بين الناس مع بعضهم البعض، بل حتى الدولة التي تملك من الإمكانيات التي تجعلها تتجاوز  كل مفردات الطبقية نراها دخلت دون استئذان في هذا التوصيف وأصبح معيار مواطنيها يتركز على ما  يملكونه من مال وجاه، بحيث صاحب المال الوفير يستطيع أحيانا أن يتحكم فيها وقد يفسد فيها بهذا المال، بينما يبقى الفقير عبئ ثقيل تحاول الدولة التخلص منه، وذلك بأن تتركه يواجه موجات الحياة القاسية والعاتية حتى يضجر من نفسه ويكره كينونته، تاركة له سبيلا وحيدا وخيارا وحيدا ليس منه إثنين إذا أراد الخلاص من الضياع في وطن لم  يجن منه سوى الهوية العقيمة، يتمثل هذا الخيار المر في سلك الطريق المؤدي إلى مواجهة أمواج الحقيقية، وهنا تكون الدولة قد تخلصت منه بتخلصه من نفسه فيصبح بشكل مؤقت مواطنا بحريا لا ينتمي إلى أي وطن.  

عدد كبير ولا يستهان به من مواطني شمال إفريقيا مواطنون بحريون، يفرون من الاختناق من دولهم، كرها لارغبة في ذلك، لكي يبحثون عن دولة أفضل من التي ولدوا وعانوا فيها، في محاولة لبناء ما عجزوا على بنائه في الوطن الأم، وبما أن غلق الحدود وكثرة التعقيدات التي تشوب ملف الهجرة إلى الخارج ، يبقى حل أخير، وهو  التحدي، وهنا لا نعني تحدي تسلق حائط، أو اجتياز حاجز عال، بل تحد أحد آيات الله على الأرض، تحد البحر وتقلبات أمواجه الجبارة، حاملين شعارا عالميا، إما الحياة سواسية كأسنان المشط أو الموت بكرامة.

 ولنتأمل جميعا عدم شعور الحكومات العربية بالعار عندما تتناول الدول الغربية أخبار الآلاف من مواطنيها وهم غرقى في عرض الحائط، ولا يحركون ساكنا، كأن هؤلاء المواطنون ارتكبوا جرما أسقط عنهم جنسياتهم، ولأنهم فروا إلى دولة أخرى تسللا دون إحترام الوطن وإلقاء التحية عليه كما يفرضه الواجب عند الوداع. ذنبهم أنهم يحاولون  بناء حياة جديدة، والتمتع ببعض ما يتمتع به الأخرون.
وليس من السهل أن يضع الشخص الموت نصب عينيه، أن يموت بعيدا في سبيل التحرر من ظلم مستغلي الوطن، أن يموت دون أن يذكره أحد، دون أن يدفن جسده في والأرض كي لا يقولوا هذا قبر فلان وقد كان عبئا على الجميع، لأنه لا يريد أن تمتد يد أجبرته على تبني مقامرة الربح فيها ضئيل، مقامرة إن خابت تحمله إلى الدار الأبدية عبر بحر مظلم حضنه ظلمات فوق ظلمات فوق الأرض،  وإن تكللت بالنجاح فإنها تحمله إلى بلد جديد لا يعرف كيف تكون بدايته ولا نهايته.


اترك تعليقا