بقلم: عبد الجبار الخطابي
وأنا، بالأمس، كما هي العادة، أتصفح الفايسبوك لاقتناص شيء ما للقراءة، فلاحظت أن هناك عدة أخبار طغت على الساحة الدولية أبرزها قضية إعادة التحقيق في قضية "إيميلات" مرشحة الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية هيلاري كلينتون ودخول مدير"إف بي آي" السجال الانتخابي، ما قد يساهم في إعادة الكفة لفائدة مرشح الجمهوريين دونالد ترامب على بعد 10 أيام من يوم الحسم.

كان هذا الخبر هو الطاغي حالياً على الساحة الإعلامية العالمية، ولكن في المقابل، هناك خبر أخر يمكن القول أنه أخذ نصيبا مهما ليس فقط في بلاد المغرب الأقصى، ولكن أيضا جرائد الكبرى المعروفة دولياً مثل "تيليغراف البريطانية" و"لوموند الفرنسية"، بل حتى جرائد آسيوية،  الصين على سبيل المثال وليس الحصر وصلتها أخبارنا الحزينة، ناهيك عن كل القنوات العربية والمغربية الرسمية خصوصاً، والتي استيقظت من سباتها حينما دق الجرس ووصل المرسول البريدي من أغوار جزيرة زينجبار بدولة تنزانيا يخبرها بإفادة طاقم مصحوب بوزير الداخلية وزبانيته، من والي المدينة إلى غيرهم من خدام الدولة، لتقديم التعازي إلى أهل من كان يتعاطى قيد حياته بيع الأسماك، ولكنه هذه المرة اختار نهايته بيده عندما وضع جميع مايملك من رأس ماله في تجارة سمك "أبو سيف"، الممنوع فقط في الشارع والمباح في أعالي البحار العميقة، ولربما هناك عدد كبير منه يسافر دون دخوله إلى البلاد انطلاقا من تلك المناطق الغنية في البحر الذي لا يأخذون منه المغاربة الأقل حظاً منه سوى ذوق الموت، وهم يحاولون الانسلال عن طريقة " الحريكً" مادام يدخل الأراضي الأوروبية تحت الحراسة و في ظروف تكييف ملائمة وسط الأحجار الثلجية ليصل وهو صالح للأكل وطازج إلى المطاعم الأوروبية

أقول دخل سمك "أبو سيف" في غفلة عن وزارة الصيد البحري التي منعت اصطياده بدواعي بيولوجية وهي لا تدري، وكيف تدري ووزيرها "عزيز أخنوش" مشغول برئاسة حزب "التجمع الوطني للأحرار" ولقاءه برئيس الحكومة "بن كيران" في داره بحي الليمون بالرباط وهما يخططان فقط للاستوزار واقتسام كعكعة الانتخابات الهزيلة والفاسدة، والتي قاطعها أكثر من نصف السكان بسبب فقدان الثقة و تكاثر قضايا فساد عديدة لا تحصى ولا ترد في الآونة الأخيرة دون فتح تحقيقات في الموضوع.

ويبقى هؤلاء الخارجون في المظاهرات التي تحمل شعار هاشتاج "طحن مو وكلنا محسن" هم الذين قاطعوا الانتخابات الهزيلة، أولئك الذين رفضوا بن كيران وإلياس العماري، وأولئك هم الذين لايباعون ولا يستطيع المخزن العميق مراقبتهم، أولئك هم الطبقة الشغيلة والمسحوقة، وهم الطبقة المثقفة من رجال المغرب التي صبرت لمدة 5 سنين بعد "الربيع العربي" واصطفت وراء الحل الأسهل والأحسن وهو الإصلاح الديموقراطي من الداخل وتغيير الدستور، وأولئك هم الذين رفضوا الدخول في مواجهة مع الدولة العميقة حتى يُجنّبوا بلادنا ويلات سوريا وليبيا، اللهم لا شماتة.
ولكن في المقابل نجد أن الطرف الأخر، وهو الدولة، التي للأسف، لم توف بكلمتها ومررت "ربيعنا العربي" بتواطئ مع تجار الدّين والمِلل واستهانت بشعور الملايين، بعد أن كانت بين يديها فرصة تاريخية، تتمثل في الإستفادة من سقوط دول مجاورة وبالتالي جلب الاستثمارات و إنعاش السياحة، وبناء دولة الحق والقانون، واحترام الإنسان. وهاهي الدولة اليوم تؤدي ثمن خيانتها وهي عاجزة أمام الحشود التي وصلت درجة الاحتقان بداخلها إلى نقطة لا يمكن الرجوع بعدها إلى الوراء. فقط مقتل مواطن بطريقة بشعة استطاع أن يربك حساباتها وهي لا تعرف كيف تتصرف، وحتى التفكير في استعمال القوة وأشكال الاستفزاز، طبعا، سيدفع بالوضع إلى مزيد من التأزم، وقد يخلق لنا إدلب وحلب سوريا جديدتين في عمق الريف المغربي، وهو السيناريو الذي لا أحد يتمنى رؤيته في بلادنا العزيزة، بالأخص مسألة تسريب السلاح من الدولة المجاورة، وهو احتمال كبير ووارد، فالجار المتمثل في النظام لربما ينتظر فقط شرارة تحت الرماد تبعثها نفخة واحدة بدسائسه، وتنقسم البلاد لا قدر الله إلى مجموعة من الثكنات العسكرية والمجموعات الإرهابية الراصبة على الحدود، وليس العمق الإفريقي النيجيري المتمثل في "بوكو حرام"، ليس ببعيد عنا، و قد يجد تحالفه الذي يحلم به طول حياته مع بقايا الإرهاب القابع في ليبيا.

ستنطفئ هذه المظاهرات عاجلاً أم آجلا في نظري المتواضع، ولكن ستبقى الدولة تعيش في الخوف من المستقبل، فأي تصرف بوليسي قمعي وحتى إداري زجري، ظالم سينفخ من جديد تحت رماد الاحتقان المواطن المغربي الذي فقد ثقته في كل الأحزاب، وهذه المرة ستكون القاضية لا قدر الله وسيذهب الوطن كله بكل أطيافه ولا نجاة للغني المتسلط، ولا للفقير الطامح، خصوصاً وقد انكسر حاجز الخوف و تبين أن الجهاز الأمني ضعيف لا يحسن التصرف...لذا بقيت الفرصة الأخيرة فإن ضاعت ضاع الجميع، وإن ضاع الجميع ضاع الصواب، وإن ضاع الصواب صارت البلاد في خبر كان لا قدر الله وهو ما لا نتمناه.

اترك تعليقا