الإيطالية نيوز، الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 — منذ مارس 2020، يُسمح للأطباء والممرِّضين الذين درسوا خارج دول «الاتحاد الأوروبي» بالعمل في إيطاليا من دون معادلة شهاداتهم الجامعية لدى «وزارة الصحة»، كما يقتضي القانون، وفوق ذلك من دون التسجيل في «نقابة الأطباء». وكان الاستثناءان قد أُقرَّا للتعامل مع حالة الطوارئ الناجمة عن «فيروس كورونا»، لكن جرى تمديد العمل بهما عدَّة مرَّات خلال السنوات الأخيرة، وسيظلَّان ساريين حتَّى عام 2029، أي بعد نحو سبع سنوات من انتهاء الوباء. وبفضل هذا الإجراء، وصل إلى إيطاليا آلاف العاملين في القطاع الصحي، لكن لا يُعرف الكثير عنهم؛ إذ أُسندت مهمَّة التحقُّق من شهاداتهم ودراساتهم إلى الأقاليم، التي لا تجري معظمها أي عمليات تحقق فعلية.
وبحسب رواية موقع «أل بوست»، خلال السنوات الأخيرة، لم يتمكن حتَّى الاتحاد الوطني لنقابات الأطباء الإيطالية (Fnomceo) من تحديد عدد الأطباء الأجانب المسجَّلين في القوائم الخاصة بالاستثناءات، التي تديرها الأقاليم. ولتحديد العدد، قدَّم موقع «إل بوست» 21 طلبًا للحصول على المعلومات إلى كل واحد من الأقاليم والمقاطعات المستقلَّة الـ21 في إيطاليا، لتكشف النتائج عن وضع شديد التفاوت: فقد سُجل في «البييمونتي» 3020 طبيبًا وممرِّضًا، وفي «ليغوريا» 1679، بينما كانت الأعداد أقل في الأقاليم الأخرى التي ردَّت على الطلبات. ففي «توسكانا» يبلغ العدد 192 فقط، وفي «صقلية» 121، وفي «بوليا» 115، بينما لا يتجاوز 63 في «لومبارديا»، التي يزيد عدد سكَّانها بأكثر من الضعف على عدد سكان «بييمونتي».
ويبلغ عدد العاملين الصحيين الأجانب المسجَّلين في إطار الاستثناءات في أنحاء إيطاليا 5228 شخصًا، لكن هذا الرقم غير مكتمل؛ إذ تقول أقاليم، مثل «لاتسيو»، إنها لم تنشئ قط قائمة إقليمية بهذا الشأن، بينما لم ترد أقاليم أخرى، مثل «إيميليا رومانيا» و«كامبانيا»، على طلب الحصول على المعلومات.
وقبل مارس 2020، كان يتعيَّن على كل من درس الطب خارج «الاتحاد الأوروبي» أن يتقدَّم بطلب إلى «وزارة الصحة» للاعتراف بشهادته الجامعية، حتَّى تتمكَّن الوزارة من تقييمها ومقارنتها بمسار الدراسة الطبية في إيطاليا. وكانت هذه الإجراءات تستغرق وقتًا طويلاً، لا سيما أن الوزارة كانت تطلب في كثير من الأحيان اجتياز امتحانات إضافية. وكان الأمر يستغرق في المجمل ما يصل إلى عام ونصف العام. وبعد الحصول على الاعتراف بالشهادة، كان يتعيَّن على الأطباء والممرضين اجتياز اختبار في اللغة الإيطالية أمام لجنة مختصَّة، ثم التسجيل في نقابة الأطباء.
وتغيَّرت القواعد في 17 مارس 2020، عندما أقرَّت حكومة «جوزيبي كونتي» مرسوم «كورا إيطاليا» لمواجهة «جائحة كوفيد-19». ففي ذلك الوقت، كانت المستشفيات تحت ضغط شديد وكان هناك نقص كبير في العاملين، فسمحت الحكومة للمؤسسات الصحية بتوظيف متخصِّصين من الخارج خلال بضعة أيام، من دون انتظار اعتراف الوزارة بالشهادات واستكمال بقية الإجراءات.
وقال «فيليبو أنيلي»، رئيس «الاتحاد الوطني لنقابات الأطباء»: «كانت البلاد بحاجة إلى المساعدة، وكنا ندرك خطورة اللحظة».
وبعد عامين، جرى توسيع نطاق الاستثناء لاستقبال الأطباء والممرضين الذين فروا من أوكرانيا عقب الغزو الروسي، ثم جرى تمديده عدَّة مرَّات في السنوات التالية، وصولاً إلى قانون الموازنة الذي أُقرَّ العام الماضي، والذي حدَّد موعد العودة إلى القواعد القديمة في عام 2029، بهدف مواجهة نقص العاملين في القطاع الصحي.
ويتعيَّن على الأطباء والممرضين الأجانب الذين يعملون بموجب هذه الاستثناءات التسجيل في قوائم تديرها الأقاليم، بدلاً من التسجيل في سجلات نقابات الأطباء. والفارق كبير؛ إذ إنه، إلى جانب اجتياز التحقُّق من المؤهلات الدراسية والحصول على تأمين، يتعين على الطبيب الراغب في التسجيل في السجل المهني أن يتعهَّد بالالتزام بمدوَّنة أخلاقيات المهنة واحترامها، وإلا فقد يتعرَّض لإجراءات تأديبية.
ولا تنطبق أي من هذه الإجراءات على من يعملون بموجب الاستثناءات. ويرى «جوفاني ليوني»، رئيس نقابة أطباء محافظة «فينسيا»، أن هذا التفاوت خلق مفارقة؛ إذ يمكن معاقبة طبيب إيطالي على مخالفة مهنية، بينما لا يتعرَّض زميل له يحمل شهادة أجنبية وارتكب المخالفة نفسها للعقوبة.
وأوكل مرسوم «كورا إيطاليا» إلى الأقاليم مهمَّة التحقُّق من الشهادات الجامعية، لكنَّه لم يحدِّد إجراءات موحَّدة. كما أن محاولة جديدة لفرض عمليات تحقُّق موحَّدة على الجميع، أُجريت في عام 2024، توقَّفت في مؤتمر الدولة والأقاليم.
واليوم، تكتفي معظم الأقاليم بالتحقُّق من أن الوثائق مستوفية للشروط الشكلية، من دون إجراء فحوص معمقة للتأكُّد من صحَّتها أو للتحقُّق من كفاءات الأطبَّاء والممرِّضين الأجانب.
وتفيد معلومات «إل بوست»بأن إقليمي «فينيتو» و«بوليا» فقط أنشآ لجنة من الخبراء لتقييم الكفاءات، بينما أوكلت «لومبارديا» عمليات التحقق إلى المؤسسات الصحية.
وفي «البييمونتي»، يفسر غياب عمليات التحقُّق المعمَّقة، ولو جزئيًا، العدد المرتفع للمسجَّلين في القائمة الإقليمية مقارنة ببقية أنحاء إيطاليا. وقال مفوض الصحة الإقليمي، «فيديريكو ريبولدي»، إن الاستثناءات ضرورية لضمان استمرارية الخدمات، نظرًا إلى النقص في أعداد العاملين بالمستشفيات.
كما تطالب «جمعية الأطباء من أصول أجنبية في إيطاليا» (Amsi) منذ فترة طويلة بالتخلِّي عن مرسوم «كورا إيطاليا». ويرى رئيس الجمعية، «فؤاد عودة»، أنَّ الإبقاء على الاستثناءات طوال هذه المدَّة خطأ جسيم، لأن عام 2029 قد يشهد مطالبة آلاف العاملين في القطاع الصحِّي بتسوية أوضاعهم، أو، على الأرجح، الاضطرار إلى إصدار عفو أو تسوية جماعية، بما يؤدِّي إلى خلق حالات من عدم المساواة.
وقال «عودة»: «في عام 2020، لولا مساعدة الأطباء الأجانب، لتوقَّفت خدمات صحية كثيرة. يجب تسوية هذا الوضع، ونحتاج إلى قواعد موحِّدة في جميع الأقاليم».
وتتعلَّق إحدى الحالات الخاصة بأطباء الأسنان، الذين شملتهم الاستثناءات رغم عدم وجود حاجة خاصة إليهم خلال حالة الطوارئ الناجمة عن «فيروس كورونا»، ورغم أن الغالبية العظمى منهم يعملون في مؤسَّسات خاصة.
وقد طلب «الاتحاد الوطني لنقابات الأطباء» مرارًا من «وزارة الصحة» استبعاد أطباء الأسنان من هذه الاستثناءات، لكن من دون جدوى.
وقال «أندريا سينا»، رئيس «اللجنة الوطنية لسجل أطباء الأسنان» (CAO): «لقد جرى توظيفهم جميعًا في عيادات خاصة، من دون أي ضمانات لحماية المرضى، لأن أحدًا لا يتحقَّق من أي شيء. إنَّه استثناء لم يكن له أي معنى بالنسبة إلى أطباء الأسنان».
وفي عيادة لطب الأسنان في «تورينو» تحديدًا، عُثر في مارس 2025 على رجل إيطالي كان قد حصل على التسجيل في القائمة الإقليمية، بعدما قدَّم شهادة جامعية حصل عليها في المملكة المتحدة من مؤسَّسة غير معتمدة.
وأُدين الرجل بتقديم شهادات مزوَّرة وبممارسة مهنة صحية بصورة غير قانونية.
وحاولت بعض نقابات الأطباء مطالبة الأقاليم بإجراء مزيد من عمليات التحقُّق. فقد تقدَّمت «نقابة أطباء ميلانو» بطعن أمام المحكمة الإدارية، التي حكمت لصالحها؛ إذ رأت المحكمة أن الإقليم لا يمكنه الاكتفاء بالتحقُّق من استيفاء الوثائق للشروط الشكلية، بل يجب عليه التأكُّد من صحة الشهادات الجامعية، ومن امتلاك الأطباء والممرضين للكفاءات المطلوبة، ومن إتقانهم اللغة الإيطالية.
وفي إقليم «فينيتو»، كانت نقابة الأطباء قد قدَّمت طعنًا مماثلاً، قبل أن تسحبه بعد التوصُّل إلى اتِّفاق مع الإقليم. وينصُّ الاتِّفاق على إنشاء لجنة من الأطباء تتولَّى تقييم المؤهِّلات.
وقال «ليوني»، رئيس «نقابة أطباء فينيسيا»، إنَّ اللجنة لم تنظر حتَّى الآن في أي طلب، لأنها تحتاج أولاً إلى إجراء مشاورات مع «وزارة الصحة«.
وفي غضون ذلك، تَقدَّم عشرة أطباء من أميركا الجنوبية بطلبات استجابة لإعلان التوظيف الذي أصدره الإقليم، في وقت يواجه فيه نقصًا في أطباء أقسام الطوارئ وأطباء التخدير.

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.