الإيطالية نيوز، الأحد 4 يناير 2026 – في الأيام الأخيرة، وقع حدث صادم على المسرح الدولي: اختطاف الرئيس الفنزويلي «نيكولاس مادورو» وزوجته من غرفة نومهما على يد قوات خاصة أمريكية، ونقلهما إلى الولايات المتحدة لمحاكمته. وفي حين تتصدَّر العناوين وصف الحدث بأنه "إطاحة بِـ «مادورو»"، يبدو أنَّ التعبير الأدق هو "اختطاف"، لأنَّ ما حدث لا يعكس قرارًا داخليًا، بل تدخُّلًا خارجيًا مباشِرًا.
قبل الغوص في تفاصيل «مادورو»، أودُّ توضيح الإطار النظري الذي أعمل من خلاله، وهو ما أفعلُهُ دائمًا في كُتبي. فالملاحظة الدقيقة والقدرة على التحليل العميق تتطلَّب جهازًا مفاهيميًا قويًا. كلما كانت أدواتنا الفكرية متينة، كان تحليلنا أكثر أصالة وموضوعية.
سؤالي الأوَّل عند الحديث عن «مادورو» هو: كيف نُطوِّرُ فكرًا أصيلًا؟ ما السر الذي يجعلنا مختلفين عن "إنسان القطيع"؟ كيف يمكن إنتاج فكرة مستقلَّة، سواء في كتاب، مقال علمي، أو محتوى إعلامي؟ في رأيي، السر يكمن في الشكّ الكَمِّي. أي إذا كان %100 من الناس حولنا يُكرِّرون عبارة واحدة أو يقفون عند رأي واحد، فإنَّ الطريق نحو الأصالة يبدأ من التساؤل عن صحَّة ذلك الرأي.
على سبيل المثال، إذا اعتبر الجميع «مادورو» ديكتاتورًا، فإنَّ التفكير النقدي يتطلَّب التساؤل: هل هذا صحيح بالفعل، أم مجرَّد خطاب جماهيري متكرِّر؟ إنَّ إنسان القطيع يتصرَّف عكس ذلك تمامًا، فهو يشكُّ فقط في القضايا التي تطرحها الأقلِّية، وليس في السردية السَّائدة، ولذلك يفتقر إلى الأصالة الفكرية.
اليوم، ملايين الإيطاليين يُكرِّرون أنَّ «مادورو» ديكتاتور، وأنَّ الإطاحة به أمرٌ أخلاقيٌ. هنا تكمن عملية التضليل: محاولة ربط فعل سياسي بأخلاقية مزعومة، كما تُكرِّره «جورجا ميلوني» و «غويدو كروزيتّو» فيما يتعلَّق بالصراع الأوكراني. لكن الواقع يختلف: الأخلاق ليست الدافع الأساسي؛ المصالح السياسية والتحالفات الدولية هي التي تُحدِّد الفعل السياسي، تمامًا كما علّمنا «مِكيافيلّي» في "الأمير" و"المطارحات على الكتاب الأول لتيتوس ليفيوس".
«مِكيافيلّي» يوضح أن الشعب يمكن خداعه عبر المظاهر، لكنه يمتلك الحس العملي الذي يُمَكِّنه من التحقُّق على المدى الطويل من صدق الخطابات السياسية. مثالنا الحالي هو فرصة لممارسة هذا الحس العملي: يمكن للمواطنين متابعة النتائج العملية لسياسات «ميلوني» و «كروزيتُّو» في أوروبا والشرق الأوسط، ومقارنة الخطابات مع الأفعال.
أمَّا فيما يتعلَّق بِـ «مادورو»، فالسردية الإعلامية السّائدة تفترض شرعية الإطاحة استنادًا إلى مزاعم عن فساد أو انتهاك للديمقراطية، لكنَّها تتجاهل تاريخ التدخُّل الأمريكي وأساليبه في الإطاحة بالأنظمة المستقلَّة. منطق التفكير النقدي هنا ليس تأكيد عكس المزاعم، بل التساؤل: هل الأحداث جرت كما رُوِّج لها؟ هل استخدمت الولايات المتحدة أساليب مالية أو عسكرية لإحداث هذا الانقلاب؟
وفي الختام، يظلُّ السؤال الأخلاقي محوريًا: إذا كانت الأخلاق هي من تُحرِّك السياسة، فلماذا تختار الدول الغربية دعم بعض الأنظمة القمعية بينما تُدين أخرى؟ هنا يتَّضح أنَّ السياسة لم تتغيَّر كثيرًا منذ عصر «مِكيافيلّي»، وأنَّ آليات الخداع السياسي مستمرَّة، رغم تطوُّر وسائل الإعلام ووسائط التواصل.
هذا التحليل ينسجم مع أطروحتي في كتابي الجديد «التضليل: التلاعب بالرأي العام في دولة تابعة»، الذي يكشف فساد الطبقة الحاكمة الإيطالية وأساليبها في توجيه الرأي العام. بينما يواصل الإعلام الإيطالي تكرار السرديات الرسمية، يبقى واجبنا كقُرَّاء ومفكِّرين ممارسة التفكير النقدي، والبحث عن الأصالة وسط زحام المعلومات والمظلِّلات السياسية.
الفيديو المنقول عنه 👇

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.