الإيطالية نيوز، الأربعاء 21 يناير 2026 – ليست «غرينلاند» مجرَّد جزيرة متجمِّدة تقع على هامش الجغرافيا السياسية، بل تُمثِّل إحدى أهم العقد الاستراتيجية في النظام العسكري العالمي، خصوصًا في سياق الصراع بين الولايات المتحدة وروسيا، ومع صعود الصين كقوة بحرية عالمية. فإنَّ من يسيطر على «غرينلاند»، يضع يده عمليًا على البوابة الشمالية للمحيط الأطلسي، ويملك قدرة حقيقية على خنق أو حماية طرق الملاحة والغواصات النووية في أخطر مسار بحري في العالم.
الأهمية الجغرافية: حيث يتحوَّل الجليد إلى سلاح
تقع «غرينلاند» في قلب ما يُعرف عسكريًا بـ خط «Giuk» ( وهو خطٌّ وهمي في شمال المحيط الأطلسي يشكّل ممرًا استراتيجيًا لـ السفن العسكرية. ويعود هذا الاسم إلى كونه اختصارًا إنجليزيًا لكلمات: غرينلاند، آيسلندا، والمملكة المتحدة.)، وهو الممر الإجباري الذي يجب على الغواصات الروسية، خصوصًا التابعة لأسطول الشمال النووي، عبوره إذا أرادت التسلل من المحيط المتجمِّد الشمالي إلى المحيط الأطلسي.
هذا الممر ليس مجرد خط على الخريطة؛ بل منطقة تتميَّز بمياه ضحلة نسبيًا، ما يجعل الغوَّاصات مضطرَّة للاقتراب من السَّطح، وبالتالي تصبح أكثر عُرضةً للرصد بواسطة أنظمة الاستشعار الصوتي والراداري الغربية.
درس من التاريخ: لماذا كانت هذه المنطقة مسرحًا للحروب؟
خلال الحرب العالمية الثانية، أدركت ألمانيا النازية الأهمية الحيوية لهذه المنطقة، فاحتلَّت النرويج في محاولة للسيطرة على شمال الأطلسي. في المقابل، سارعت الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى التمركز في «غرينلاند» وآيسلندا، ونجحوا في تدمير عدد كبير من السفن والغواصات الألمانية هناك.
التاريخ هنا لا يُروى للذاكرة فقط، بل يُعاد استدعاؤه كدليل عملي على أن من يسيطر على هذه “البوابة”، يملك أفضلية استراتيجية حاسمة في أي حرب عالمية مقبلة.
أسطول الشمال الروسي: قلب القوة النووية
تعتمد روسيا بشكل كبير على شبه جزيرة «كولا»، حيث يتمركز أسطولها الشمالي، وهو أقوى أساطيلها، ويضم غواصات نووية وصواريخ بالستية عابرة للقارات، إضافة إلى عشرات القواعد الجوية.
في حال اندلاع حرب كبرى، تُعدُّ هذه المنطقة النقطة الأكثر أهمية الانطلاق الرئيسي للضربة الروسية. لكن المشكلة الأساسية لروسيا تكمن في أن هذا الأسطول، مهما بلغت درجة قوَّته، يحتاج إلى المرور عبر ممرَّات بحرية يمكن إغلاقها أو مراقبتها بدقَّة. وهناك مربط الفرس.
حين أعلن الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» رغبته في ضم «غرينلاند»، قُدّمت القضية إعلاميًا على أنها مسألة “معادن نادرة” أو استثمار اقتصادي. غير أن هذا الخطاب، في جوهره، موجَّه للاستهلاك الداخلي الأمريكي. لكن، السبب الحقيقي أعمق بكثير، ويتعلق بالأمن القومي الأمريكي. فضمُّ «غرينلاند» يمنح «واشنطن» سيطرة مباشرة على إحدى أهم نقاط الاختناق البحري في العالم، ويكمل الطوق الاستراتيجي المفروض على روسيا من الشمال، بالتوازي مع سيطرة الولايات المتحدة على «ألاسكا» من الجهة الأخرى.
لذا، لتكتمل الصورة، إذا نظرنا إلى الخريطة، نجد أن روسيا يمكن محاصرتها بحريًا عبر عدة محاور:
-
البحر الأسود: يخضع لمضيق البوسفور الذي تسيطر عليه تركيا (عضو الناتو).
-
بحر البلطيق: ممر ضيق ومحاط بدول غربية معادية.
-
شمال الأطلسي: يمكن إغلاقه فعليًا عبر غرينلاند، آيسلندا، وبريطانيا.
في حال تحقق هذا السيناريو، لن يتبقى لروسيا سوى ممرَّات بعيدة ومعقَّدة عبر المحيط الهادئ، أو الاعتماد على خطوط برية مع الصين، وهي بدائل لا تقارن بالكفاءة الاستراتيجية للنقل البحري.
بين روسيا والصين: لعبة الخيارات الصعبة
السياسة الأمريكية، كما يبدو، تقوم على خيارين:
إما استمالة روسيا وفصلها عن الصين، أو—في حال فشل ذلك—فرض حصار جيوسياسي خانق يجعل أي مواجهة مستقبلية محسومة مسبقًا.
ضمن هذا الإطار، تصبح «غرينلاند» ليست خطوة نهائية، بل حجر الأساس في استراتيجية طويلة المدى لإعادة تشكيل ميزان القوى العالمي.
خلاصة الرأي
الحديث عن «غرينلاند» ليس رفاهية سياسية، ولا نزوة رئيس أمريكي، بل تعبير واضح عن انتقال العالم إلى مرحلة صراع مفتوح على “مفاتيح الجغرافيا”. في الحروب الحديثة، لا تنتصر فقط بالجيوش، بل بالسيطرة على الممرات، والبوابات، ونقاط الاختناق. و«غرينلاند»، بكل ما تحمله من جليد وصمت، قد تكون واحدة من أخطر هذه المفاتيح في القرن الحادي والعشرين.


شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.