«ترامب» لم يكتفِ بانتقاد السياسات الأوروبية، بل تجاوز ذلك إلى السخرية والاحتقار المباشر لقادتها، في خطاب أقرب إلى “مسرح سياسي” منه إلى مداخلة في منتدى اقتصادي عالمي. ومع ذلك، لم يكن الخطاب مملًا، لأن «ترامب» تعمّد أن يجعل العالم كله منصتًا، سواء بالصدمة أو بالاستفزاز.
في قلب هذا الخطاب، أعاد «ترامب» إحياء ملف «غرينلاند»، ولكن بلغة أكثر فجاجة. ذهب إلى عقر دار الأوروبيين ليقول صراحة إن «غرينلاند» “أرض أمريكية”، وإنها ليست سوى “قطعة من الجليد” لا يعرف الأوروبيون كيف يحمونها أو يستفيدون منها. لم يُظهر أي احترام لتاريخ الجزيرة أو سكانها، واختزلها في بعدها الجيوسياسي البحت بوصفها موقعًا بالغ الأهمية للأمن القومي الأمريكي.
ورغم أن كثيرين توقعوا إعلانًا صريحًا باستخدام القوة، فإن «ترامب» بدا حريصًا على ترك الباب مواربًا. تحدث عن عرض سابق في عام 2019 لشراء «غرينلاند» مقابل 200 مليار دولار، ودعا هذه المرة إلى مفاوضات مباشرة مع حلف «الناتو» والقادة الأوروبيين. غير أن لغته لم تخلُ من التهديد: القبول “بالطيب خاطر” سيُقابل بالامتنان، أما الرفض فسيُسجل في الذاكرة الأمريكية جيدًا. لم يقل صراحة إنه سيتدخل عسكريًا، لكن الرسالة كانت واضحة.
اللافت أن الصحف الأمريكية الكبرى ركزت على هذه النقطة تحديدًا، واعتبرتها تراجعًا عن خيار القوة، وربما بداية لمسار تفاوضي جديد. إلا أن هذا “الهدوء النسبي” لم يدم طويلًا، إذ سرعان ما عاد «ترامب» ليُفجر قنبلة أخرى في وجه حلف «الناتو»، متهمًا إياه بأنه عبء على الولايات المتحدة، وأن «واشنطن» لا تجني منه أي فائدة حقيقية.
«ترامب» ذكّر الأوروبيين بأن الولايات المتحدة هي من تمول وتسليح الحلف، وهي من توفر لهم مظلة الحماية، بل ذهب إلى حد القول إنهم لولا أمريكا “لكانوا اليوم يتحدثون الألمانية أو اليابانية”، في إشارة مباشرة إلى الحرب العالمية الثانية. لم يكن هذا مجرد تذكير تاريخي، بل إهانة سياسية متعمدة تهدف إلى ترسيخ منطق التفوق الأمريكي المطلق.
ولم يسلم القادة الأفراد من هذا الأسلوب. سخر من الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون»، من مظهره ونظارته الشمسية، ثم كشف تفاصيل مكالمة خاصة بينهما بشأن أسعار الأدوية، في خرق واضح للأعراف الدبلوماسية، ليصوره في النهاية كشخص تراجع فور التلويح بالعقوبات الجمركية. الرسالة هنا لم تكن موجهة ل«ماكرون» وحده، بل لكل زعيم أوروبي يفكر في معارضة «واشنطن».
الأمر ذاته انسحب على قادة سويسرا وغيرهم، إذ تفاخر «ترامب» بأنه “أنهى” تفاوضه مع معظم القادة الأوروبيين في دقائق، وحصل على ما لم يستطع رؤساء أمريكيون سابقون تحقيقه خلال عقود. حتى كندا لم تنجُ، إذ وبّخ رئيس وزرائها «مارك كارني»، معتبرًا أن كندا مدينة بوجودها للولايات المتحدة، ومطالبًا إياه بأن “يفكر جيدًا قبل أن يتحدث”.
في المقابل، حرص «ترامب» على التأكيد أن علاقته بالصين جيدة، وكذلك علاقته ب «فلاديمير بوتين»، وأنه لا يريد شيئًا من حرب روسيا وأوكرانيا سوى توقفها، رغم سقوط آلاف القتلى. هذا التناقض بين لغة العداء للحلفاء، والمرونة مع الخصوم، يعكس بوضوح فلسفة «ترامب» في السياسة الخارجية: لا صداقات دائمة، بل مصالح آنية وقوة عارية
.
الخلاصة الأهم في هذا الخطاب أن «ترامب» لا يرى أمامه نظامًا دوليًا قائمًا على الشراكة أو التوازن، بل عالمًا يجب إعادة تشكيله بالقوة والضغط والابتزاز. هو لا يهاجم أوروبا فقط، بل يهدم فكرة التحالفات ذاتها، ويقوض أسس النظام العالمي الذي قادته الولايات المتحدة نفسها لعقود.
«دونالد ترامب» لا يخاطب العالم كرئيس دولة، بل كـ“قوة منفردة” ترى الجميع أصغر منها. ومن هنا، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط فيما قاله في «دافوس»، بل في ما يمثله: عقلية مستعدة لهدم أوروبا، وزعزعة الشرق الأوسط، بل وربما تقويض الولايات المتحدة ذاتها، في سبيل إعادة صياغة العالم على مقاس رجل واحد.

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.