يقول المحلل والكاتب الصحفي الإيطالي، أليسيو كولونيلّييضرب إيطاليا بين حين وآخر زلزال مروع بسببه يلقى عشرات وأحياناً مئات الأشخاص حتفهم. ولا تزال الأرض تهتز بين إقليمي ريتي وأسكولي بيتشينو من حين لآخر في الوقت الذي أكتب فيه هذه السطور. وتتسبب الزلازل في خسائر، مثل كل الزلازل الأخرى، حيث لقي نحو 300 شخص حتفهم وتبددت الآمال في انتشال مزيد من العالقين تحت الأنقاض وهم على قيد الحياة. وأعلن رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينتسي يوم وقوع الزلزال: «في الظروف الصعبة تعرف إيطاليا ما تفعله». وكان رينزي محقاً في قوله. وفي الأيام التالية للزلزال قامت عمليات المساعدة على قدم وساق، وأُرسلت فرق الإنقاذ بأسرع ما يمكن، ووزع الطعام والخيام وانتشرت عمليات نقل الدم. ومن الواضح أن إيطاليا في الخدمات الفورية بعد الكوارث لا يُعلى عليها بالمرة، وربما تعرف إيطاليا ما تفعله في هذه اللحظات بسبب خبراتها الطويلة في هذا الشأن.

ومن الحقائق أن إيطاليا تقع فوق مجموعة من الفوالق الأرضية، فالبلاد تبتعد شمالاً عن طبقة أفريقيا الأرضية نحو البلقان، وهذا يؤدي إلى الزلازل، وإلى انكماش في البحر الأدرياتيكي باثنين ملليمتر سنوياً. وهناك فالق كبير نشط للغاية تحت سلسلة جبال أبينين في شمال البلاد بين إقليمي ليجوريا وأومبريا. وهناك فالق أقل نشاطاً بقليل يقع تحت جبال الألب، وهي سلسلة جبال أقدم بكثير، لكن الزلازل تقع هنا أيضاً مثل الزلزال الكارثي الذي وقع في منطقة فريولي عام 1976 وقتل نحو ألف شخص وشرد 150 ألفاً آخرين.

وتشتهر إيطاليا بنشاطها الزلزالي، لكن هناك بلداناً أخرى شديدة النشاط الزلزالي في العالم لا يؤدي فيها زلزال بقوة ست درجات إلى مقتل مئات الأشخاص. ويتعين أن نقر بأن تأثير الزلزال يكون أشد بسبب قرب مركزه من السطح، فالزلزال الذي يكون مركزه أعمق داخل الأرض تمتص الطبقات العليا من الأرض بعض تحركاته العنيفة، لكن هذا ليس عذراً. ففي اليابان من الصعب تخيل أن زلزالاً من هذا النوع قد يتسبب في أي خسائر فيما عدا كسر زجاجتين من خزانة ترك بابها مفتوحاً. لكننا هنا في قلب أوروبا، وهي واحدة من أكثر مناطق العالم ثراء وتقدماً تكنولوجياً، فإن الزلازل المتوسطة بمقياس ريختر تتسبب عادة في نتائج كارثية. والنظام الإيطالي ليس صالحاً، وهو غير صالح على عدة مستويات لدرجة يصعب معها معرفة نقطة البداية.

صحيح أن إيطاليا بلد عتيق المباني، وهناك 22 مليوناً من الإيطاليين من بين 60 مليون إيطالي يعيشون في مناطق أقيمت مبانيها قبل عام 1974. وذلك هو العام الذي عملت فيه إيطاليا بنظام حديث للإنشاء مضاد للزلازل. وكل المباني السابقة على هذا التاريخ ظلت إلى حد كبير دون تغيير فيما عدا المباني العامة مثل المدارس والمستشفيات. وهناك بعض الحقيقة في أن قدم إيطاليا وارتباطها بهندستها المعمارية القديمة مسؤول عن حصيلة الموتى الكبيرة جراء الزلازل، أو كما عبر عن ذلك رينتسي قائلاً: «إننا نتحدث عن بلدات ترجع للعصور الوسطى»، لكن هذا لا يفسر انهيار مدرسة ابتدائية في بلدة أماتريس الأكثر تضرراً من الزلزال، وكان قد أعيد تحديثها عام 2012 بكلفة بلغت 783 ألف دولار لتفي بمعايير السلامة الزلزالية. وهذا لا يفسر انهيار مستشفى البلدة أو انهيار برج ناقوس في بلدة أكومولي المجاورة، والذي يفترض أنه أعيد بناؤه ليفي بالمعايير الحديثة أيضاً. إذن علينا التماس التفسير في صديقين متلازمين، هما الفشل السياسي والفساد. هل حدث تهاون في تطبيق مساعي إعادة الإنشاء الحيوية تلك؟ هل تغاضى المقاولون أو المفتشون الحكوميون عن الاشتراطات الهندسية؟ يتعين علينا أن ننتظر ونفحص الأمر ونصمد في محاولة الاستكشاف. والشرطة تحرس بالفعل أطلال مبنى بلدية أماتريس للحفاظ على سجلات التعاقدات.

ولم يمر أكثر من أسبوع على الزلزال حتى بدأت المطالبات بإجراء تحقيقات عامة. وفي مقابلة مع السناتور ماريو مايكل جاروسو، من حزب «خمس نجوم» المعارض، صرح المشرع الإيطالي بالقول إن «هذه الأموال أسيء إنفاقها، ويتعين على شخص ما أن يجيب على هذا». وأشار النائب العام في إقليم ريتي إلى أنه يعتزم اتخاذ إجراء، قائلاً إن حصيلة الموتي «لا ينبغي أن تعتبر مجرد قدر». وستكشف الشهور القليلة المقبلة ما إذا كانت إيطاليا ستحول غضب ما بعد الكارثة نحو الأهداف الصحيحة أم أن هذا الغضب سيخطئ العنوان كما حدث في مرات سابقة.

اترك تعليقا