ويبلغ العمدة الجديد من العمر 34 عامًا، وهو ديمقراطي اشتراكي من أصل هندي، وُلد في أوغندا، ويعتنق الدين الإسلامي، وكان مجهولًا نسبيًا حتّى ما يزيد قليلًا عن عام مضى، حين أطلق حملة انتخابية فعّالة من حيث التصميم البصري ووسائل التواصل. وقد خلّفت هذه العوامل توقُّعات كبيرة حول ولايته، إذ إن إدارة مدينة بحجم «نيويورك» ليست بالمهمَّة السَّهلة، وقد شدَّد «ممداني» على أنه يجب أن يُقيّم أساسًا وفقًا لتحقيقه لوعوده الانتخابية الثلاث الرئيسية، والتي ترتبط جميعها بمفهوم القدرة على تحمل تكاليف المعيشة في المدينة.
وتتمثَّل هذه الأهداف الثلاثة في: توفير رياض الأطفال ودور الحضانة مجانًا لجميع الأطفال من عمر ستة أسابيع حتى خمس سنوات، وتحويل شبكة الحافلات العامة إلى خدمة سريعة ومجانية، ووقف زيادات الإيجارات لمليون وحدة سكنية.
وتُعتبَر هذه وعودًا طموحة، وقد تعرَّضت لانتقادات أثناء الحملة الانتخابية لاعتبارها غير واقعية إلى حدٍّ ما. ومع ذلك، كانت هذه الوعود أبرز نقاط قوَّته الانتخابية، وقد أكَّد «ممداني» في مقابلات حديثة على عزمه على تنفيذها بالكامل خلال مدَّة ولايتين، أي خلال السنوات الثماني المقبلة، في حال إعادة انتخابه. ويُعد هذا إطارًا زمنيًا طويلًا، إلَّا أنَّ تنفيذ هذه الإجراءات مع الحفاظ على استدامتها الاقتصادية يُمثِّل تحديًا كبيرًا. وإذا نجح «ممداني» في تحقيق ذلك، فقد تصبح «نيويورك» نموذجًا يُحتذى به في مدن وولايات أخرى.
قدرت التكاليف السنوية لضمان توفير رياض الأطفال المجَّانية للأطفال من عمر 0 إلى 5 سنوات بنحو 6 مليارات دولار. وهي مبالغ ضخمة، حتى بالنسبة لمدينة تمتلك ميزانية سنوية تصل إلى 116 مليار دولار مثل «نيويورك». وكان العمدة السابق «بيل دي بلاسيو» قد أطلق خطة لتوفير التعليم المجاني للأطفال في سن 3-4 سنوات اعتبارًا من عام 2014، وذلك عبر عملية تدريجية استمرَّت عدة سنوات. أما تطبيق هذه المبادرة على الأطفال الأصغر سنًا فيعد أكثر صعوبة وتكلفة، نظرًا لأنَّ فصول الأطفال في سن 3-4 سنوات قد تضمُّ نحو 20 طالبًا، بينما يُفترض في الفئات الأصغر وجود مربية أو مربٍ لكل 3-4 أطفال فقط. كما وعد «ممداني» بزيادة رواتب العاملين في هذا القطاع.
وتُعد هذه المبادرة من أكثر السياسات شعبية وانتظارًا، إذ يمكن أن تصل تكلفة رياض الأطفال في «نيويورك» إلى أكثر من 20 ألف دولار سنويًا، لتصبح بذلك ثاني أكبر مصروف للأسرة بعد الإيجار. ويرى «ممداني» أن توفيرها مجانًا قد يعيد نحو 14 ألف امرأة إلى سوق العمل بعد أن اضطرَّت الكثير منهن للتخلِّي عنه.
وتعتزم إدارة العمدة الجديد العمل عبر أهداف مرحلية، بدءًا بالأطفال في عمر السنتين والأحياء ذات الكثافة السكانية العالية. كما ستحتاج إلى توظيف كوادر جديدة مؤهَّلة، وافتتاح رياض أطفال إضافية، وتعديل بعض اللوائح الخاصَّة بالـ«ميكرو-نُودز» العائلية، وهي منشآت صغيرة جدًا لكنَّها تلبِّي احتياجات عدد كبير من الأسر.
لتحقيق هذا الوعد الانتخابي، سيحتاج «ممداني» إلى التعاون مع حاكمة ولاية «نيويورك» الديمقراطية، «كاثي هوشول»، والتي تُعتبر شخصية معتدلة. وتسعى «هوشول» لتوسيع المبادرة لتشمل كامل الولاية، أي نحو 660 ألف طفل بتكلفة سنوية تقدَّر بـ 15 مليار دولار، كما أنَّ موافقتها شرط أساسي لتأمين التمويل اللَّازم لهذه المبادرة وغيرها من السياسات.
وأوضح «ممداني» أنه يعتزم جمع الأموال المطلوبة من خلال رفع الضرائب على الأثرياء والشركات الكبرى في المدينة. لكنه لا يمتلك صلاحية القيام بذلك بمفرده، إذ يلزم موافقة «هوشول» والهيئة التشريعية للولاية. ومن المقرَّر أن تخوض «هوشول» الانتخابات لإعادة انتخابها في 2026، لكنَّها بحاجة للفوز في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، وقد أبدت حذرًا بشأن فرض ضرائب إضافية على الأفراد الأثرياء، لكنها أظهرت موقفًا متفائلًا بشأن الشركات.
ويعتمد تمويل مجانية الحافلات العامة أيضًا على هذا الرفع الضريبي، إذ يُقدَّر تكلفة الخطة بنحو 800 مليون دولار وتشمل الحافلات فقط، وليس مترو الأنفاق الذي تديره الدولة وليس البلدية. وكان ممداني قد روَّج خلال فترة عضويته في المجلس التشريعي للولاية لمشروع يتيح مجَّانًا خمس خطوط حافلات، وقد حقق المشروع نتائج مشجعة من حيث عدد الركَّاب، لكنَّه لم يحدث تجديده لاحقًا بسبب خلافات سياسية لا علاقة لها بالموضوع نفسه.
ويمثل التمويل العقبة الرئيسية، لكن هناك تساؤلات حول كيفية تحقيق «ممداني» لجعل الحافلات أسرع وأكثر كفاءة. ومن المخطَّط أن تسهم "ضريبة المرور"، التي وُضعت لتقليل عدد السيارات، في هذه العملية، إلى جانب تقليص وقت التوقُّف عند المحطات، حيث يدخل الركَّاب حاليًا من الباب الأمامي فقط، ويتولَّى السائق التحقُّق من التذاكر أو بيعها.
المقترح الثالث يتعلق بمشكلة ارتفاع تكلفة الإيجارات في «نيويورك»، والتي أصبحت عبئًا غير مستدام حتّى على شرائح واسعة من الطبقة الوسطى. يعيش في المدينة نحو مليوني شخص في مليون وحدة سكنية يخضع إيجارها لضوابط تنظيمية محلية. ويُحدد لجنة توجيه الإيجارات، المكوَّنة من تسعة أعضاء ويرأسها العمدة، الأسعار القصوى والإجراءات السنوية المتعلقة بأي زيادات محتملة.
ولمنع الزيادات، يحتاج «ممداني» إلى تعيين أعضاء يوافقون على خطَّته. لكن الأمر ليس بهذه البساطة، إذ جرى تعيين أربعة أعضاء مؤخَّرًا أو إعادة تأكيدهم من قبل العمدة السابق، «إريك آدامز»، لفترات تمتدُّ بين عامين وأربعة أعوام. وقد يضطر ممداني إلى الانتظار حتَّى تنتهي بعض هذه الولاية ليتمكَّن من تشكيل لجنة بأغلبية صلبة. وبطبيعة الحال، تحظى هذه الخطَّة بترحيب المستأجرين، لكنها تثير اعتراض الملاك، الذين يرون أنَّ تقليص الموارد المتأتية من الإيجارات قد يؤدِّي إلى تدهور المباني ويزيد من حدة الأزمة على المدى الطويل.
وأشار «ممداني» إلى أن هذه الثلاثة هي الإجراءات الأساسية في برنامجه الانتخابي. وقد طرح خلال حملته مبادرات أخرى ستُطبق بحسب أولويات متفاوتة، منها: إنشاء 200 ألف وحدة سكنية جديدة بأسعار إيجار مدروسة، والحفاظ على الإسكان الاجتماعي ودعمه، وإنشاء خمسة متاجر شعبية (واحد لكل حي رئيسي) لبيع المنتجات بأسعار مخفضة. وقد تعرَّض هذا الأخير لانتقادات شديدة، حيث وصفه البعض بأنَّه سياسة «سوفيتية»، فيما أشار أخرون إلى صعوبة أن تتمكَّن خمسة متاجر فقط من منافسة الأسعار في قطاع التجزئة الكبير.
وسيحتاج «ممداني» لإثبات قدرته على العمل بواقعية وعدم السماح لعدم خبرته الطويلة بأن يؤثِّر على قراراته، في الوقت نفسه الذي يتعين عليه فيه الحفاظ على صورة سياسي جديد ومختلف. وهذا ما جذب العديد من الناخبين الديمقراطيين إليه، وأثار آمالًا وتوقُّعات كبيرة، كما بدا أنه اكتسب تأثيرًا حتَّى على الرئيس «دونالد ترامب»، الذي يتبنَّى توجُّهًا سياسيًا يختلف بشكل واضح عن توجُّهات «ممداني».
كانت أولى اختيارات «ممداني»، المتعلِّقة بتشكيلة فريق الحكومة، تحاول الموازنة بين الخبرة السياسية والتجديد. فقد اختار «دين فوليهان»، البالغ من العمر 74 عامًا والخبير السياسي المعروف في «نيويورك»، والذي سبق أن شغل منصب نائب عمدة في عهد «دي بلاسيو»، ليكون نائبًا له. وفي الوقت نفسه، عيّن «إيل بيسغارد-تشرش»، البالغة 34 عامًا والتي لم يسبق لها أي خبرة تنفيذية سابقة لكنها كانت مسؤولة عن حملته الانتخابية، كرئيسة لمكتبه. كما أدخل منصب نائبة العمدة المكلفة بـ«العدالة الاقتصادية»، وجعلت «جولي سو» في هذا الدور، بينما أبقى على «جيسيكا تيش» كرئيسة للشرطة، وهي تنتمي لعائلة مليارديرية ولها وجهات نظر تختلف في بعض الأحيان عن توجُّهات العمدة الجديد.
وكان التعيين الأكثر جدلًا هو «ليليان بونسنيجوري» كرئيسة لجهاز الإطفاء. وكانت «بونسنيجوري» قد شغلت سابقًا مسؤولية الخدمات الطبية الطارئة، وهي ثاني امرأة تتولَّى قيادة الجهاز الذي يضمُّ 17 ألف موظَّف بين رجال إطفاء، وفرق طبية للطوارئ، وموظَّفين مدنيين، كما أنَّها أوَّل رئيسة للجهاز مُعلنةً عن ميولها الجنسية المثلية. وقد انتقد «إيلون ماسك» هذا التعيين رسميًا لافتقاره خبرة في مجال الإطفاء، لكنه حظي بدعم قاعدة مؤيِّدي «ممداني».
وخلال هذه المرحلة من التعيينات، برزت أولى المشكلات، إذ استقالت «كاثرين ألمونتي دا كوستا»، المسؤولة عن التعيينات، بعد أن ظهرت مجدَّدًا بعض منشورات قديمة لها تحمل توجُّهات معادية للسامية، تعود إلى عامي 2011 و2012.

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.