ويأتي تولِّي قبرص الرئاسة في ظرف دقيق، في ظلِّ استمرار الحرب في أوكرانيا، وفي وقت تجد فيه أوروبا نفسها إلى حدٍّ كبيرٍ خارج مسار المفاوضات التي تقودها الولايات المتحدة. وتزداد حساسية المهمَّة بالنظر إلى أنَّ قبرص دولة محايدة عسكريًا، وتواجه نزاعًا غير محسوم مع تركيا. ومع ذلك، يدرك المسؤولون القبارصة حجم التحدِّيات، وقد سعوا إلى الاستعداد لها، معتبرين أنَّ الرئاسة تُمثِّل فرصة مهمَّة على الصعيدين السياسي والدبلوماسي.
ويُعتبَر مجلس الاتحاد الأوروبي هيئة تضمُّ ممثِّلا أو ممثِّلة عن حكومة كل دولة عضو، ويختلف مستوى التمثيل بحسب الموضوع المطروح للنقاش، وهو كيان منفصل عن المجلس الأوروبي. وتتناوب الدول الأعضاء على رئاسة المجلس كل ستَّة أشهر وفق جدول زمني محدَّد، وتتيح هذه الرئاسة للدولة المعنية تحديد أولويات عمل المجلس، ومن ثم ممارسة نفوذ مؤقَّت على أحد الجهازين التشريعيين في الاتحاد الأوروبي، إلى جانب البرلمان الأوروبي.
![]() |
| الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليديس مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف، 4 ديسمبر |
الأولويات القبرصية
في هذا الدور، يتولى البلد الرئيـس ترتيب وإدارة الاجتماعات على جميع المستويات داخل المجلس، ضمان استمرارية العمل التشريعي والتنسيق بين الدول الأعضاء، فضلاً عن تمثيل المجلس لدى المؤسسات الأوروبية الأخرى مثل المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي.
أما قبرص، في هذه الولاية، خلال فترة رئاستها لمجلس الاتحاد الأوروبي، تضع ملفي الأمن والدفاع، إلى جانب توسيع الاتحاد، في صدارة أولوياتها. ويرتبط هذان الملفان ارتباطا وثيقا بالحرب في أوكرانيا، إذ تُعد كييف دولة مرشحة للانضمام إلى الاتحاد، وتسعى في الوقت نفسه إلى إشراك حلفائها الأوروبيين كضامنين لأمنها في المستقبل.
غير أنَّ ملف الدفاع يثير على وجه الخصوص قدرًا كبيرًا من التحفُّظات والتساؤلات لدى دبلوماسيين ومسؤولين أوروبيين، في ضوء التاريخ الخاص لقبرص ووضعها الجيوسياسي المعقَّد.
فالجزيرة منقسِمة منذ الغزو التركي عام 1974 إلى شطرين: الجزء ذو الغالبية اليونانية، وهو المعترَف به دوليًا وعضو في الاتحاد الأوروبي، والجزء الأخر المعروف باسم «شمال قبرص»، الذي يعتمد اقتصاديًا وسياسيًا على تركيا، الدولة الوحيدة التي تعترف به. ويُذكَر أنَّه في أكتوبر الماضي، انتخب شمال قبرص على نحو غير متوقَّع رئيسًا يؤيِّد إعادة توحيد الجزيرة.
ألقى النزاع القائم حول قبرص بظلاله على علاقات الجزيرة مع تركيا، وكذلك مع اليونان، الحليف الأقرب لها. ويُنظَر إلى هذا الخلاف على أنه عقبة أمام تعزيز التعاون في مجالي الأمن والدفاع مع تركيا، وهي دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وتملك صناعة عسكرية قوية يُنظر إليها على نطاق واسع على أنَّها عنصر أساسي لأمن أوروبا.
وتعارض كل من اليونان وقبرص مشاركة تركيا في برنامج الاستثمارات العسكرية الأوروبية «SAFE»، الذي يُعَدُّ جزءًا من خطَّة «إعادة تسليح أوروبا» (ReArm Europe)، وتبلغ قيمته 150 مليار يورو، وهو برنامج مفتوح أيضًا أمام دول من خارج الاتحاد الأوروبي، من بينها تركيا التي تُعدُّ رسميا دولة مرشحة للانضمام. غير أن قدرة أثينا ونيقوسيا على تعطيل هذه المشاركة تبقى محدودة، إذ لا يتطلب القرار إجماع الدول الأعضاء.
![]() |
| مقاتلات F-16 يونانية تحلق خلال عرض عسكري بمناسبة الذكرى الخامسة والستين لاستقلال قبرص عن المملكة المتحدة، 1 أكتوبر 2025 في نيقوسيا |
وأكَّدت الحكومة القبرصية، في تصريحات علنية، أنَّ القضايا الوطنية لن تؤثِّر على إدارتها لرئاسة مجلس الاتحاد الأوروبي.
قبرص بين إرث العلاقات مع موسكو ومتطلبات الدور الأوروبي
ارتبطت قبرص تاريخيًا بعلاقات ثقافية واقتصادية وثيقة مع روسيا، استندت جزئيًا إلى الانتماء المشترك إلى الكنيسة الأرثوذكسية. غير أنَّ الحكومة القبرصية، عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، أعلنت عن اصطفافها إلى جانب «كييف»، وأقدمت مرارًا على سحب ما يُعرَف بـ«جوازات السفر الذهبية» من عدد من الأوليغارش الروس.
وكان برنامج «المواطنة مقابل الاستثمار»، الذي أتاح منح الجنسية مقابل استثمارات مالية، قد أُوقف بالفعل في عام 2020، وذلك تحت ضغط من الاتحاد الأوروبي، قبل اندلاع الحرب في أوكرانيا.
وإلى جانب هذا البعد الدبلوماسي، الذي سعت الحكومة القبرصية من خلاله إلى طمأنة شركائها الأوروبيين، تبرز أيضًا التحديات التنظيمية المرتبطة بإدارة رئاسة مجلس الاتحاد الأوروبي.
استعدادات تنظيمية موسعة لضمان نجاح الرئاسة القبرصية
في إطار الاستعداد لتولّي رئاسة مجلس الاتحاد الأوروبي، عزَّزت قبرص بشكل كبير طاقم بعثتها الدائمة لدى الاتحاد، حيث ارتفع عدد الموظفين والمسؤولين من نحو 100 إلى أكثر من 250، وهو رقم يتماشى مع ما اعتمدته رئاسات سابقة. كما ستقدم الدولتان اللتان تسبقان قبرص في الرئاسة (الدنمارك) وتليانها (إيرلندا) دعمًا في إدارة اللِّجان الأكثر تقنية، وفق آلية راسخة معمول بها داخل الاتحاد.
ونظرًا لأنَّ الاجتماعات الأهم ستُعقد داخل قبرص، تحرَّكت الحكومة لتنظيم رحلات جوية يومية مع «بروكسل»، التي تبعد نحو ثلاثة آلاف كيلومتر عن «نيقوسيا»، العاصمة القبرصية، بهدف تسهيل سير الأعمال وتنسيق الاجتماعات.
ويستلهم شعار الرئاسة القبرصية تصميمه من فنون التطريز التقليدية في الجزيرة.
A logo inspired by Lefkaritiko embroidery.
— Cyprus Presidency of the Council of the EU 2026 (@CY2026EU) December 24, 2025
At its heart lies the thread, fragile on its own, yet strong and cohesive when woven together. A symbol of the strength that stems from unity. 🔆
The logo of the Cyprus Presidency of the Council of the European Union. 🇨🇾🇪🇺
Discover… pic.twitter.com/RM0JBSrXkG
وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية القبرصي، «كونستانتينوس كومبوس»، إن تولّي دولة صغيرة رئاسة مجلس الاتحاد يمكن أن يشكل ميزة للاتحاد بأكمله، مضيفًا: “إنها ذهنية مختلفة تُطرَح على طاولة النقاش، ونهج مغاير في العمل”. وترى الحكومة القبرصية في هذه الرئاسة أيضا فرصة لتجديد صورة البلاد، لا سيما أن آخر مرَّة تولَّت فيها هذا الدور، عام 2012، كانت تمرُّ بظروف اقتصادية صعبة وكان يرأسها آنذاك رئيس ذو توجُّهات شيوعية.
وعموما، يتوقَّف نجاح أي دورة رئاسية لمجلس الاتحاد الأوروبي إلى حدٍّ كبيرٍ على الطريقة التي تعتمدها الدولة التي تتولَّاها في ممارسة هذا الدور. فعلى سبيل المثال، كان يُتوقَّع خلال الدورة المنتهية أن تدفع الدنمارك باتِّجاه تشديد سياسات الهجرة، وهو ما تَحقَّق فعلا عبر إقرار تعديل صارم على حقوق المهاجرين. وفي المقابل، سادت في عام 2024 مخاوف كبيرة من رئاسة المجر، التي تُعد الدولة الأكثر قربًا من روسيا داخل الاتحاد، إلَّا أنَّ تلك الرئاسة انتهت من دون تحقيق نتائج تُذكَر.
تجد المصادر المُستند إليها لتعزيز هذا المقال متضمنةً في النص باللون الأزرق: انقر على الكتابة باللون الأزرق للوصول إليها.



شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.