وقضت المحكمة، برئاسة القاضية «سيلفيا مونياييني» (Silvia Mugnaini)، بسجن المتهمين التسعة لمدد وصلت إلى خمس سنوات وأربعة أشهر، بعد إعادة توصيف الوقائع قانونيًا من “إيذاء جسدي خطير” إلى جريمة تعذيب، مستجيبة لطلبات المدعي العام لدى محكمة الاستئناف «إيتّوري سكويلاّتشي غريكو».
ورسمت وقائع القضية، كما خلص إليها الحكم، صورة لاعتداءات منهجية ومتعمدة، شملت الضرب المبرح، والإذلال، ومحاولات التغطية على الانتهاكات عبر بلاغات كاذبة.
الاعتداء الأشد: ضرب وتعذيب سجين مغربي حتى كسر أضلاعه
تعود أخطر الوقائع إلى عام 2019، حين تعرّض سجين من أصول مغربية لاعتداء عنيف بعد احتجاجه لفظيًا على أحد العناصر إثر منعه من الاتصال بأقاربه. وبحسب لائحة الاتهام، نُقل السجين إلى مكتب المفتشة الرئيسية «إيلينا فيليدجاردي» (Elena Viligiardi)، حيث تعرّض، بناءً على إشارة أو أمر منها، لاعتداء جماعي نفذه سبعة عناصر.
وقال المدعي العام خلال مرافعته: “بعد المشادة مع العنصر سارنو، أُدخل السجين إلى مكتب المفتشة، حيث انهال عليه العناصر باللكمات والركلات، ووُضع قدم أحدهم على عنقه، فيما اعتلى آخر ظهره وضغطه أرضًا إلى حد صعوبة التنفس.”
وأكد السجين أن الاعتداء جرى بحضور المفتشة نفسها، قائلًا: “كانت ترى ما يحدث وتضحك.” وانتهى الاعتداء بإصابة الضحية بكسر في ضلعين، قبل أن يُقيّد بالأصفاد ويُنقل إلى زنزانة عزل، حيث أُجبر على خلع ملابسه وبقي عاريًا لدقيقتين أو ثلاث، معرضًا لسخرية العناصر، إذ خاطبه أحدهم بالقول: “هكذا تكون نهاية من يحاول التظاهر بالقوة”. وبعد ذلك، أُعيد إليه لباسه المتسخ واقتيد إلى العيادة الطبية.
وكانت هذه الواقعة قد جرى التستر عليها بداية عبر بلاغ كاذب قدّمته المفتشة «فيليدجاردي» ، زعمت فيه أنها تعرضت لاعتداء جنسي من السجين نفسه. غير أن التحقيقات نسفت هذه الرواية بالكامل، معتبرة البلاغ محاولة لتبرير العنف، ما أفضى إلى توجيه تهمة الافتراء إليها.
حادثة ثانية: خنق وثقب في طبلة الأذن
أما الواقعة الثانية، فترجع إلى مايو 2018، حين اشتكى سجين إيطالي من عدم حصوله على كامل مدة التريض اليومية. وبحسب الحكم، جرى تقييده من قبل عدة عناصر، بناءً على تحريض المفتشة. وقام أحدهم بلف ذراعه حول عنق السجين مانعًا عنه التنفس، فيما وجه آخر ضربة تسببت في ثقب طبلة أذنه.
وفي محضر رسمي لاحق، زعمت المفتشة أن السجين كان في حالة هيجان واعتدى على أحد العناصر قبل أن يسقط أرضًا “عن طريق الخطأ”، وهي رواية اعتبرتها المحكمة مفبركة.
من “إيذاء جسدي” إلى “تعذيب”: انقلاب قضائي كامل
في حكم الدرجة الأولى، كانت القاضية «سيلفيا روميو» قد استبعدت توصيف التعذيب، معتبرة أن “المعاناة الجسدية الإضافية” لم تُثبت، وأدانت المتهمين فقط بتهمة الإيذاء الجسدي الخطير، مع تبرئتهم من تهم التزوير والافتراء.
غير أن محكمة الاستئناف اعتبرت أن الوقائع تُظهر قسوة متعمدة ومعاناة إضافية، فضلًا عن “مؤشرات واضحة على انحراف أخلاقي جسيم في السلوك الداخلي للمتهمين”، وفق ما شددت عليه المدعية العامة «كريستين فون بورّيس».
وبناء عليه، قضت المحكمة بتعويض الأطراف المدنية، وهم السجينان، وجمعية «الحق الآخر»، والضامن الوطني لحقوق السجناء، مع إقرار دفعة تعويض مؤقتة قدرها 20 ألف يورو لكل ضحية.
سجن سولّيتشانو… سجل طويل من التدهور
ويأتي هذا الحكم في سياق انتقادات مزمنة تطال سجن «سولّيتشانو»، الذي يُعد منذ سنوات بؤرة جدل بسبب ظروف الاحتجاز المتدهورة. ففي صيف 2024، تقدم السجناء بنحو 100 طعن قضائي احتجاجًا على الأوضاع “اللاإنسانية”، بما في ذلك انتشار الحشرات، والحرارة الخانقة، والعفن على الجدران.
وتتبنى هذه القضايا منذ سنوات جمعية «الحق الآخر» (ADIR)، التي تصف أوضاع السجن بأنها “مهينة وغير لائقة”. وفي يوليو 2023، كشف تفتيش رسمي لمكتب الصحة عن تسربات مياه واسعة، وعفن في الحمّامات، وزنازين غير صالحة للسكن، وسوء تهوية، ونوافذ مغلقة بسبب أعشاش الدبابير، ووجود طيور “قد تنقل القراد”، إضافة إلى نواقص بنيوية في مرافق المطبخ والتموين الغذائي. وقد أدت هذه الظروف، في إحدى القضايا التي تابعتها الجمعية، إلى خفض عقوبة أحد السجناء بمقدار 312 يومًا.
.jpg)
شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.