موقف متحفِّظ ومزدوَج
رغم إعلانها انتقادها لِـ «ترامب»، حافظت «ميلوني» على نبرة غامضة ومتحفِّظة: لم تدنه بشكل كامل، بل فسَّرت قراره على أنه ناجم عن «سوء فهم وتواصل»، مشدِّدةً على الحاجة إلى تعزيز الحوار والتقارب بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
يمثل هذا الموقف نهجًا مستمرًّا لِـ «ميلوني» في التعامل مع «ترامب»، حيث تكون حذرةً في معارضته علنًا حتى في القرارات الأكثر تأثيرًا على أوروبا، لأسباب متعدِّدة:
-
توافقها جزئيًا مع بعض السياسات الأمريكية.
-
رغبتها في لعب دور الوسيط بين أوروبا وواشنطن.
-
ضرورة مراعاة مواقف حليفها السياسي الأساسي، حزب «الرابطة» بقيادة «ماتيو سالفيني».
قضية «غرينلاند»: بين التهديدات والاحتواء
تُعدُّ «غرينلاند» أكبر جزيرة في العالم، وتقع بين المحيط الأطلسي الشمالي والمحيط المتجمِّد الشمالي، وتتمتَّع بحكم ذاتي ضمن المملكة الدنماركية. في 6 يناير، وقَّعت «ميلوني» مع قادة فرنسا وألمانيا وإسبانيا وبولندا والمملكة المتحدة والدنمارك على بيان مشترك يدعو إلى احترام المبادئ الدولية، في محاولة لردع أي تحرُّكات أمريكية عدائية ضدَّ الجزيرة.
ثلاثة أيام لاحقًا، قلَّلت «ميلوني» من مخاطر أي تدخل عسكري أمريكي، قائلةً: «أنا لا أؤمن بأن الولايات المتحدة ستقوم بإجراء عسكري للسيطرة على غرينلاند، وهو خيار لن أؤيده بالتأكيد». وأضافت أن أسلوب «ترامب» «الحازم نسبيًا» يهدف إلى توضيح أن الولايات المتحدة لن تقبل تدخُّلات زائدة من قوى أجنبية، في إشارة ضمنية إلى الصين وروسيا.
التحرك الأوروبي
ردًا على تهديدات ترامب، قررت بعض الدول الأوروبية بقيادة فرنسا والمملكة المتحدة إرسال عدد محدود من القوات إلى «غرينلاند»، مستغلة تدريبات عسكرية مسبقة التنسيق تحت إشراف الدنمارك. في نهاية المطاف، شاركت ثماني دول في هذه الخطوة: فرنسا، المملكة المتحدة، الدنمارك، ألمانيا، السويد، النرويج، فنلندا، وهولندا، بينما اختارت إيطاليا عدم المشاركة منذ البداية.
أوضح وزير الدفاع الإيطالي «غويدو كروزيتّو» يوم الخميس الماضي أمام مجلس النواب أسباب قرار إيطاليا بعدم إرسال قوات إلى غرينلاند، مشددًا على أن دفاع الجزيرة يجب أن يتم عبر حلف شمال الأطلسي (الناتو) بمشاركة الولايات المتحدة، معتبرًا أن المبادرات الفردية للدول الأوروبية غير فعالة. وأضاف بشكل ساخر: «تتخيَّلون خمسة عشر إيطاليًا، خمسة عشر فرنسيًا، خمسة عشر ألمانيًا في غرينلاند؟ يبدو الأمر وكأنه بداية نكتة».
السياسة الإيطالية في القطب الشمالي
بدلاً من المشاركة العسكرية المباشرة، قررت الحكومة الإيطالية تحديد التزامها في المنطقة عبر نشر وثيقة رسمية بعنوان "السياسة القطبية الإيطالية"، وذلك يوم الخميس نفسه. مقارنةً بالوثيقة الصادرة عام 2015، فإن النسخة الجديدة تؤكِّد بشكل أكبر على دور القوات المسلحة الإيطالية، وتبرز أهمية المنطقة ليس فقط في البحث العلمي—الذي حقَّقت فيه إيطاليا نتائج متميزة سابقًا—بل أيضًا لأسباب عسكرية ودبلوماسية على الصعيد الدولي.
الواقع السياسي والتحديات الأمريكية
مع ذلك، يبدو أن بعض البنود الواردة في الوثيقة الإيطالية قد تجاوزتها التطوُّرات الأخيرة، خصوصًا بسبب سياسات ترامب، إذ نصَّت الوثيقة على أن «الإجراء الإيطالي يقوم على الاحترام الكامل للقانون الدولي (…) والاعتراف بحقوق السيادة للدول القطبية». لكن الأسلوب الحازم نسبيًا لِـ «ترامب»، كما وصفته رئيسة الوزراء «ميلوني»، قد يعيق أي إمكانية للتعاون السلمي بين «الاتحاد الأوروبي» و «الناتو».
في هذا السياق، يمكن تفسير قرار الدول الأوروبية الأخرى بإرسال عشرات قليلة من الجنود إلى «غرينلاند» على أنه خطوة رمزية وسياسية أكثر من كونها عملية عسكرية، تهدف إلى ردع أي تصعيد أمريكي لاحق. تلا ذلك إعلان «ترامب» عن فرض رسوم جمركية على الدول الأوروبية التي شاركت عسكريًا.
موقف ميلوني الدبلوماسي المعتدل
كانت «ميلوني» في ذلك الوقت في جولة دبلوماسية طويلة بين عمان واليابان وكوريا الجنوبية، فاختارت الحفاظ على موقف وسطي. لم توقِّع على البيان المشترَك الذي أدان قرار «ترامب»، لكنَّها شرحت وجهة نظرها خلال مؤتمر صحفي في فندق «لوتي» بسيول، حيث كانت توجد آنذاك.
قبل إعلان موقفها العلني، أجرت رئيسة وزراء إيطاليا «جورجا ميلوني» مكالمات هاتفية مع كل من الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» والأمين العام للناتو «مارك روته»، بالإضافة إلى تواصلها مع عدد من القادة الأوروبيين. في تلك المرحلة، صرَّحت «ميلوني» للصحفيين بأن قرار ترامب «خطأ وبالطبع لا أوافق عليه»، لكنها أضافت أن ما حدث كان نتيجة سوء تفاهم كبير، مشيرةً إلى أن مبادرة الدول الأوروبية كانت موجهة لمواجهة "الجهات المعادية" مثل روسيا والصين، وليس لمهاجمة الولايات المتحدة كما فسرتها إدارة «ترامب».
موقف متوازن في مواجهة التصعيد الأمريكي
في الوقت الذي دعا فيه الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون» إلى اتخاذ إجراءات أوروبية صارمة، تتراوح بين فرض رسوم جمركية على الولايات المتحدة أو تفعيل ما يسمى بـ «البازوكا»، اختارت «ميلوني» تجنب التصعيد المباشر. وأوضحت أن المندوبين الدبلوماسيين الإيطاليين تلقوا تعليمات بعدم المشاركة في هذه المبادرة الأوروبية، مع اقتراح الحذر وترك القرار للنقاش بين القادة الأوروبيين.
دور الوساطة والدوافع الداخلية
يلخص هذا الموقف الدور الذي اختارته «ميلوني» لنفسها منذ فترة طويلة، وهو الوساطة بين ضفتي الأطلسي.
لكن هناك بعد داخلي مهم يفسر هذا التوازن: إذ أن شريكها في الحكومة، حزب «الرابطة» بقيادة «ماتّيو سالفيني»، يحرص دائمًا على تقديم نفسه كأقرب حليف لِـ «ترامب» داخل التحالف الإيطالي، رغم أن العلاقات المباشرة مع الرئيس الأمريكي غير وثيقة. وقد سبق أن حدث هذا الموقف في ملفات أخرى، من الحرب في أوكرانيا إلى علاقات إيطاليا مع «إيلون ماسك»، وصولًا إلى دعم الحكومة الإسرائيلية بقيادة «بنيامين نتنياهو». وفي كل هذه الحالات، حرص حزب «الرابطة» على مدح السياسات الأمريكية المناهضة للدول الأوروبية، بما يعزز رواية الحزب المعارضة لأوروبا داخليًا.
Glielo spiego per l'ultima volta e poi la saluto e vado a festeggiare i dazi di Trump alla Francia e alla Germania.
Per la verità processuale si aspetta la Cassazione. Per i FATTI si parla quando sono accertati e per sapere che IO sono stato spiato e da chi basta un tabulato. pic.twitter.com/RN1Oh3VZeD
أبدى السيناتور من حزب «الرابطة»، «كلاوديو بورغي»، المعروف بمواقفه الراديكالية، فرحته يوم السبت على منصة «إكس» (تويتر سابقًا) بعد إعلان ترامب فرض رسوم جمركية على فرنسا وألمانيا.
ورد عليه وزير الدفاع «غويدو كروزيتّو» على نفس المنصة قائلاً: «لا أفهم ما الذي يدعو للفرح في إضعاف حلفائنا اقتصاديًا، وهم أيضًا من أكبر شركائنا التجاريين والصناعيين».
وبعد رد «بورغي»، نشر «كروزيتّو» وثيقة رسمية توضح أن ألمانيا وفرنسا هما أكبر دولتين تصدر إليهما إيطاليا منتجاتها، مسلطًا الضوء على الأهمية الاقتصادية للحفاظ على العلاقات مع الشركاء الرئيسيين لأوروبا.
في الوقت نفسه، دافع حزب الرابطة عن قرار «ترامب»، مشيرًا إلى أن «الهوس بالإعلان عن إرسال القوات هنا وهناك يجني ثماره المرة».
من جانبه، اقترح «روبرتو فانّاتشي»، نائب الأمين العام للحزب، مقارنات مثيرة للجدل بين سياسات ألمانيا الحالية وسياسات ألمانيا النازية، في تصريح أثار انتقادات واسعة.
وعندما طُلب من رئيسة الوزراء «جورجا ميلوني» التعليق على هذه التصريحات، اكتفت بالقول: «لا توجد مشكلة سياسية مع حزب الرابطة بشأن هذا الموضوع».

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.