«سي إن إن»: وزير الدفاع الأمريكي أراد «حملة صليبية» والآن يقود حربًا في الشرق الأوسط (فيديو)
الإيطالية نيوز، السبت 21 مارس 2026 – في الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة على الجمهورية الإيرانية، يحبُّ وزير الدفاع الأمريكي، كما يفضِّل أن يُطلَق عليه، أن يتحدَّث عن أن الإله المسيحي يقف إلى جانبه.
خلال مقابلة مع شبكة «سي بي إس نيوز» عُرضت يوم الأحد، قال وزير الدفاع الأمريكي، «بيت هيغسيث» إنَّ على إيران ألا تُشكِّك في عزم الولايات المتحدة، لأنَّها مدعومة بقوَّة عليا.
وقال: “قدراتُنا أفضل. إرادتُنا أقوى. قوَّاتُنا أفضل. وعنايةُ إلهِنا القدير موجودة لحماية تلك القوات، ونحن ملتزمون بهذه المهمَّة.”
سأل مراسل شبكة «سي بي إس نيوز»، «ميجور غاريت»، «هيغسيث »عمّا إذا كان ينظر إلى الحرب من منظور ديني.
فقال: “أعني، من الواضح أنَّنا نقاتل متطرِّفين دينيين يسعون إلى امتلاك قدرات نووية من أجل ما يعتبرونه معركة نهاية العالم الدينية." وأضاف لاحقًا: "الجنود بحاجة إلى ارتباط بإلههم القدير في مثل هذه اللحظات.”
وبعد بضعة أيَّام، وبعد وقت قصير من عودته من مراسم نقل رسمي لجنود قُتلوا أثناء الخدمة، اقتبس «هيغسيث» «سفر المزامير، 144» خلال مؤتمر صحفي في «البنتاغون»: 【** مبارك الرَّب صخرتي، الذي يعلّم يديّ القتال وأصابعي الحرب.**】
«هيغسيث» يجادل بأن الولايات المتحدة دولة مسيحية
لطالما أراد «هيغسيث» إعادة تشكيل توجُّهات البلاد التي نأت عن صراط المسيحية في ظل حكم «جو بايدن» وبعد أن جُرَّت قسرًا لتتَّبع شهوات الشيطان.
وقال خلال إفطار الصلاة الوطني مؤخَّرًا: “لقد تأسَّست أمريكا كدولة مسيحية.” وأضاف: “ولا تزال دولة مسيحية في حمضها النووي، إذا استطعنا الحفاظ على ذلك”، في إشارة تمزج الدِّين مع مقولة شهيرة لِـ «بنجامين فرانكلين» حول ما إذا كانت الولايات المتحدة جمهورية أم ملكية.
وأضاف: “لسنا فقط محاربين مسلَّحين بترسانة الحرية، بل نحن في النهاية مسلَّحون بترسانة الإيمان”، مقتبِسًا فكرة «فرانكلين د. روزفلت» بأنَّ الولايات المتحدة ينبغي أن تكون "ترسانة الديمقراطية"، ومكيِّفًا إياها مع رؤيته الدينية الخاصة.
الإيمان منقوش على صدره
يقول «هيغسيث» إن أحد وشومه — وهو «الصليب الأورشليمي»، وهو رمز ديني يرتبط بالحروب الصليبية — كان سببًا في تصنيفه متطرفًا، واستبعاده من فريق وحدته المكلف بالمشاركة في مراسم تنصيب الرئيس «جو بايدن» عام 2021. ويعود أصل هذا الرمز إلى فترة الحروب الصليبية، حين سعى مسيحيون أوروبيون إلى استعادة الأراضي المقدسة من المسلمين.
يظهر وشم بيت هيغسيث للصليب الأورشليمي في لقطة شاشة مأخوذة من فيديو نُشر على حساب هيغسيث في إنستغرام عام 2019. (بيت هيغسيث/إنستغرام)
كما يحمل «هيغسيث» وشم عبارة «Deus Vult» التي تعني «الرَّب يريد ذلك». وفي كتابه الصادر عام 2020 بعنوان «الحملة الصليبية الأمريكية»، يصف هذه العبارة بأنها «الهتاف الذي كان يردده الفرسان المسيحيون أثناء زحفهم نحو القدس».
في «حملة صليبية» في القرن الحادي والعشرين
شكّلت معارضة الإسلاميين — أو أولئك الذين يسعون إلى إعادة تشكيل المجتمع والحكم على أساس المرجعية الإسلامية — دافعًا مؤثرًا في الحياة العامة لِـ «هيغسيث».
وفي كتابه «الحملة الصليبية الأمريكية»، كتب أن الولايات المتحدة تواجه «لحظة صليبية» تعكس إلى حد كبير الغزو المسيحي للأراضي المقدسة في القرن الحادي عشر. ويرى «هيغسيث» أن الإسلاميين يحظون بتمكين من قبل «اليساريين» الأمريكيين، في مواجهة أمريكيين مسيحيين يتّقون الرَّب.
وكتب: “لا نريد القتال، لكن، كما فعل إخواننا المسيحيون قبل ألف عام، لا بد لنا منه.” كما استشرف فكرة أن الولايات المتحدة قد تخوض حربًا إلى جانب إسرائيل.
نحن المسيحيين — إلى جانب أصدقائنا اليهود وجيشهم اللافت في إسرائيل — بحاجة إلى حمل سيف «الأمريكية» الصريحة بلا اعتذار والدفاع عن أنفسنا. وعلينا أن نُرجِع الإسلاموية إلى الوراء — ثقافيًا وسياسيًا وجغرافيًا، وفي حالات الشرور مثل تنظيم «الدولة الإسلامية»، عسكريًا.
عداوة متجذّرة للإسلام
يشير كتاب «الحملة الصليبية الأمريكية» إلى الدعوة لحمل السلاح ضد تنظيم «داعش»، إلا أن الولايات المتحدة تخوض اليوم حربًا إلى جانب إسرائيل ضد إيران، وهي جمهورية إسلامية. وفي مقطع آخر من الكتاب، يشرح «هيغسيث» رؤيته لطبيعة التهديد الذي يمثّله الإسلام بالنسبة للولايات المتحدة.
ويذهب «هيغسيث» إلى أن الإسلام «ليس دين سلام، ولم يكن كذلك يومًا»، معتبرًا أن معظم الدول ذات الأغلبية المسلمة باتت، وفق وصفه، أماكن يصعب فيها على المسيحيين واليهود ممارسة شعائرهم بحرية. كما يرى أن الإسلام «تم توظيفه إلى حدّ كبير من قبل الإسلاميين»، الذين يتهمهم بالسعي إلى «غزو» الغرب ديموغرافيًا وثقافيًا وسياسيًا .
وبحسب طرحه، فإن هؤلاء الإسلاميين يعملون، بدعم من قوى داخلية في الغرب، على تقويض ما يسميه «المؤسسات اليهودية-المسيحية»، محذرًا من أن الولايات المتحدة قد تواجه المصير ذاته الذي يعتقد أنه يتهدد أوروبا إذا لم يتم التصدي لهذا التوجه.
كلما طال أمد تمسّك الأمريكيين بوهم أن الإسلام دين سلام — لا سيما في ظل استمرار تغيّر التركيبة الديموغرافية في أوروبا والولايات المتحدة — ازدادت صعوبة مهمتنا. فالإسلام، بحسب هذا الطرح، في حالة حرب مع خصومه — أي مع جميع «غير المؤمنين» — منذ نشأته، ولن يتوقف عن ذلك أبدًا.
بينما افتتحت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهات بضربات جوية هذا العام أسفرت عن مقتل زعيم إيران، ترى إدارة ترامب أن الصراع قائم بالفعل منذ عام 1979، حين أطاحت الثورة الإسلامية بالشاه المدعوم من واشنطن.
فرض حضور ديني أكبر في البنتاغون
قبل اندلاع الحرب، أطلق هيغسيث، بصفته وزيرًا للدفاع، مبادرة تهدف إلى «إعادة العظمة لهيئة القساوسة العسكريين». ومن المفترض أن يقدّم القساوسة العسكريون خدماتهم الدينية لمختلف الأديان، إلا أن هيغسيث يسعى إلى إعادة صياغة دليلهم بما يعزز حضور الدين ويقلّص الاعتماد على اللغة العلمانية.
وقال في منشور على منصة «إكس» إن «المقاتلين المؤمنين» شعروا بالتهميش بسبب النزعة الإنسانية العلمانية داخل المؤسسة العسكرية.
كما يدفع نحو اعتماد صلاة شهرية تُبث في أرجاء البنتاغون. وفي فبراير، دعا هيغسيث قسّه دوغ ويلسون، وهو قومي مسيحي يدعو إلى تحويل الولايات المتحدة إلى دولة ثيوقراطية مسيحية، لإلقاء كلمة أمام الجيش الأمريكي.
وكان ويلسون قد صرّح، في مقابلة مع شبكة «سي إن إن» العام الماضي، برؤيته للمرأة بوصفها «الكائن الذي يخرج منه الآخرون»، كما دافع عن فكرة أن تتحول الولايات المتحدة إلى ثيوقراطية مسيحية.
شكاوى من داخل المؤسسة العسكرية العلمانية
أفادت «مؤسسة الحرية الدينية العسكرية»، وهي منظمة غير ربحية تدافع عن حقوق أفراد الخدمة، بأنها تلقت عددًا كبيرًا من الشكاوى خلال أقل من شهر على اندلاع الحرب. ولم تتمكن شبكة CNN من التحقق من هذه الشكاوى بشكل مستقل. وبحسب مؤسس المنظمة، «مايكي وينشتاين»، وهو محامٍ سابق في سلاح الجو، فإن مقدّمي هذه الشكاوى يخشون التعرض لإجراءات انتقامية.
وأوضح أن بعض الشكاوى تتضمن حديثًا متداولًا بين قادة عسكريين عن أن الحرب على إيران تُعد جزءًا من نبوءات «نهاية الزمان» الواردة في الكتاب المقدس. كما دعا نواب ديمقراطيون في مجلس النواب إلى فتح تحقيق بشأن هذه الادعاءات.
وقال «وينشتاين» إن خطاب هيغسيث يعطي انطباعًا لدى العالم الإسلامي بأن الولايات المتحدة تشن «حملة صليبية» خاصة بها. وأضاف: “نبدو تمامًا كنسخة تاسعة من الحملات الصليبية الثماني السابقة، التي امتدت من القرن الحادي عشر إلى الثالث عشر. بالنسبة إلى جماعات مثل بوكو حرام وداعش وطالبان وتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، سواء كانت سنية أم شيعية، فإننا نشن هجومًا على دولة مسلمة كبرى، وهذا لا يؤدي إلا إلى توفير مادة دعائية هائلة لمن نقاتلهم.”
ولا يبدو أن هيغسيث تحدث علنًا عن نبوءات «نهاية الزمان» أو فكرة أن استعادة إسرائيل للأراضي المقدسة تمهّد لوقوع الوحي، لكنه لا يتردد في تأكيد أن على الولايات المتحدة الاصطفاف مع إسرائيل لأسباب دينية.
مسيحي وصهيوني
خلال جلسة المصادقة على تعيينه العام الماضي، وجّه السيناتور الجمهوري «توم كوتون» سؤالًا وديًا إلى هيغسيث عمّا إذا كان يعتبر نفسه «صهيونيًا مسيحيًا».
وردّ «هيغسيث»: “أنا مسيحي، وأدعم بقوة دولة إسرائيل وحقها الوجودي في الدفاع عن نفسها، وكذلك وقوف الولايات المتحدة إلى جانبها كحليف كبير.”
وتقوم الصهيونية على فكرة حق الشعب اليهودي في إقامة دولة خاصة به والدفاع عنها في الشرق الأوسط. أما «الصهيونية المسيحية» فتشير إلى الاعتقاد بأن عودة اليهود إلى الأراضي المقدسة مكفولة في سفر التكوين.
وقالت «أليسون شورتل»، أستاذة السياسة والدين في جامعة أوكلاهوما، والتي شاركت في تأليف كتاب حول القومية المسيحية: “يعتقد بعض المسيحيين، على وجه الخصوص، أن قيام إسرائيل يمثل تحقيقًا لنبوءات الكتاب المقدس، لا سيما فيما يتعلق بالمجيء الثاني للمسيح.”
نزعة استثنائية أمريكية
وأوضحت «شورتل» أن التيار الإنجيلي الذي ينتمي إليه هيغسيث يتماشى مع مفهوم «الاستثنائية الأمريكية»، أي الاعتقاد بأن الأمريكيين يختلفون عن غيرهم، وأنهم منخرطون في صراع أخلاقي أوسع مع بقية المجتمعات.
وقالت: “القومية المسيحية والاستثنائية الدينية الأمريكية وجهان لعملة واحدة، حيث يُوضَع المسيحيون في القمة، بينما يأتي الآخرون في مرتبة أدنى بطريقة تنطوي على هيمنة واضحة.”
نحن وهم
وبحسب «دانيال هوميل»، وهو باحث ومؤلف كتب عن الإنجيليين في الولايات المتحدة ومدير «مركز لومن»، فإن إيران، في نظر من يتبنون هذا التصور، «تقف على الجانب الآخر من معركة لا تتعلق فقط بالمصالح الوطنية، بل أيضًا بالمبادئ والمعتقدات والقيم».
وأضاف أن “الأفكار المتعلقة باصطفاء إسرائيل أو بأن ما يحدث في الشرق الأوسط يحمل دلالات كونية، هي تصورات واسعة الانتشار، لا سيما بين المسيحيين البيض في الولايات المتحدة.”
يؤدي وزير الدفاع بيت هيغسيث التحية العسكرية، بينما يحمل أفراد من فريق تابع للجيش الأمريكي نعشًا مغطّى بالعلم، خلال مراسم نقل مهيبة في قاعدة دوفر الجوية بمدينة دوفر، بولاية ديلاوير، في 9 مارس 2026.
ورغم أن «شورتل» وصفت آراء «هيغسيث» بأنها تقع على هامش التيار العام، فإنها أشارت إلى أن نحو نصف الأمريكيين يؤيدون بشكل أو بآخر نوعًا من أيديولوجيا القومية المسيحية، بما في ذلك فكرة أن الولايات المتحدة تأسست كدولة مسيحية وأن نشأتها تحمل طابعًا إلهيًا.
وقالت: “في غياب السياق الذي يربط هذه الأفكار بحركة القومية المسيحية، يجد كثير من الناس الفكرة مقبولة إلى حدّ ما”، مضيفة: “وهو أمر مقلق بالنظر إلى ارتباطها بعدد من الممارسات والمعتقدات المناهضة للديمقراطية.”
أما «هيغسيث»، فلا يبدو أنه يواجه مثل هذه الإشكالات. ففي كتابه «الحملة الصليبية الأمريكية»، حاول التوفيق بين تعاليم المسيح الداعية إلى السلام وموقفه الرافض لجهود التنوع، ودعوته العامة إلى المواجهة، قائلًا: “ما يُسمّى بالتسامح تفوح منه رائحة الاستسلام للإسلاميين، لأنه كذلك بالفعل. صحيح أن المسيح دعا إلى إدارة الخد الآخر، لكنني على يقين أنه لم يكن يقدّم نصيحة لوزير دفاع.”
"الإيطالية نيوز" هي وسيلة إعلامية ناطقة باللغة العربية تُعنى بتغطية الشؤون الإيطالية والأوروبية، مع تركيز خاص على أخبار الجاليات العربية والمسلمة في إيطاليا وأوروبا، بالإضافة إلى متابعة التطورات السياسية، الاقتصادية، والثقافية ذات الصلة بالعالم العربي.
شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.