تصاعد حرق الجثامين في إيطاليا يضع المقابر أمام أزمة مالية متفاقمة - الإيطالية نيوز

إعلان فوق المشاركات

تصاعد حرق الجثامين في إيطاليا يضع المقابر أمام أزمة مالية متفاقمة

تصاعد حرق الجثامين في إيطاليا يضع المقابر أمام أزمة مالية متفاقمة

الإيطالية نيوز، الخميس 30 أبريل 2026 –  تشهد عمليات حرق الجثامين انتشارًا متزايدًا في إيطاليا، لكنَّها أقل ربحية من الدَّفن التقليدي، ما أدّى إلى نشوء حلقة مفرغة من الأزمات.


في إيطاليا، يتَّجه عدد متزايد من الأشخاص إلى اختيار الحَرق بعد الوفاة: ففي عام 1995 لم تتجاوز هذه النسبة %3، بينما تقترب اليوم من %40. في المقابل، تراجعت بشكل كبير عمليات الدفن في الأرض أو داخل الأضرحة (القبور الحجرية). ويعكس هذا التحوُّل تغيّرًا في المعتقدات الروحية لدى الأفراد، إلى جانب اعتبارات اقتصادية، لكنه خلّف أيضًا تداعيات مهمة على الإدارة المالية للمقابر، التي تجد صعوبة متزايدة في تحقيق الاكتفاء الذاتي بسبب انخفاض العائدات من عمليات الحرق.


وأمام هذا الواقع، باتت المقابر مضطرَّة للبحث عن مصادر تمويل بديلة، لكنَّها لجأت حتَّى الآن إلى ممارسة تبدو متناقضة وغير مجدية: التوسُّع في تقديم خدمات الحَرق، واستقطاب الزبائن من مناطق أخرى عبر عروض ترويجية وأسعار مُخفَّضة. وقد أدَّى هذا التوجُّه في الآونة الأخيرة إلى ضغط مفرط على المنشآت، وظهور أعطال وانقطاعات في الخدمة داخل عدد من محارق الجثامين، ما حرم المواطنين من خدمة عامة أساسية، ودفع الحكومة إلى التدخُّل.


وفي نهاية عام 2025، تضمّن “مرسوم التبسيط” — الذي تحوَّل لاحقًا إلى القانون رقم 182 لسنة 2025 — بندًا يمنع محارق الجثامين من تقديم تخفيضات على الأسعار، على أن تُحدَّد التعريفات مباشرة من قبل البلديات. كما حُظر نقل أكثر من أربع جثامين دفعة واحدة خارج حدود الإقليم.


وتعود جذور هذه الأزمة إلى فترة جائحة «كوفيد-19»، حين ارتفع عدد الوفيات بشكل كبير، ما أدَّى إلى زيادة ملحوظة في عمليات الحَرق من حيث العدد الإجمالي. ففي عام 2020 وحده، ارتفع عدد الجثامين التي خضعت للحرق بنسبة %25 مقارنة بالعام السابق. وواجهت عدَّة أقاليم صعوبات في تلبية الطلب، بالأخص الأكثر تضرُّرًا من الجائحة، حيث عجزت المحارق عن استيعاب جميع الحالات. حينها، قرَّرت الحكومة تعديل القواعد مؤقَّتًا، والسماح بنقل الجثامين إلى محارق تتوفَّر فيها طاقة استيعابية، بدلًا من الأقرب جغرافيًا.


وبدأت بعض المحارق باستقبال جثامين من أقاليم أخرى، مع تقديم خصومات وعروض جماعية. وبعد انتهاء الجائحة، استمرَّ هذا النهج بهدف تقديم الخدمة من جهة، وتأمين موارد مالية للمقابر من جهة أخرى، ما أدَّى إلى تفاقم الحلقة المفرغة: فزيادة الحرق أضعفت إيرادات المقابر، التي لجأت بدورها إلى مزيد من الحرق لجذب الزبائن.


تبلغ تكلفة حرق الجثمان في المتوسط بين 500 و600 يورو، تضاف إليها تكلفة جرَّة الرماد التي تتراوح بين 100 و700 يورو حسب النَّوع. أما تكاليف الدَّفن التقليدي فتتجاوز عادة 3 إلى 4 آلاف يورو، وتشمل تجهيز الجثمان، وتابوت الدَّفن، وشاهدة القبر، ورسوم الدَّفن. وفي الحالتين، لا يُشترى القبر بشكل دائم، بل يُمنح بنظام الامتياز من قبل البلدية لفترة محددة (غالبًا 30 أو 60 أو 99 عامًا). وتختلف الأسعار بحسب الموقع ومدة الامتياز، إلا أن أماكن حفظ الجرار الرمادية تبقى أرخص بكثير من القبور التقليدية.


كما تلعب العوامل الثقافية دورًا مهمًّا في هذا التحوُّل، إذ يتراجع عدد المتديِّنين، وحتَّى بين المتعبِّدين لم يعد الالتزام الصارم بتعاليم الكنيسة الكاثوليكية — التي تقبل الحرق منذ عام 1963 لكنها تفضّل الدَّفن — أمرًا شائعًا.


وأظهرت دراسة أجراها “معهد كاتانيو” ومرصد أبحاث الموت والجنازات أن الممارسات الدينية في تراجع مستمر، مع تزايد تَقبُّل أشكال بديلة للتعامل مع الجثمان بعد الوفاة. ولم تعد المقابر تُنظر إليها كأماكن مقدَّسة كما في السابق، بل انخفضت زيارتها، في حين ارتفعت حالات نثر الرماد أو الاحتفاظ به لدى العائلات بدلًا من وضعه في المقابر.


ومع انخفاض عائدات الحرق، تجد العديد من المقابر صعوبة في تغطية تكاليف الصيانة، خاصة أن إدارتها غالبًا ما تكون بيد البلديات أو شركات خاصة بتكليف منها. وتبدو المشكلة أكثر حدَّة في البلديات الصغيرة التي لا تمتلك محارق، وبالتالي تفتقر إلى مصادر دخل بديلة، ما يضطرُّها أحيانًا إلى إهمال المقابر أو تركها دون صيانة كافية.


ويبلغ عدد محارق الجثامين النشطة في إيطاليا حاليًا 91 محرقة، أي ما يقارب ضعف العدد قبل 15 عامًا. وتشير أحدث البيانات إلى أن أكثر المحارق نشاطًا في عام 2024 كانت في «روما» (16 ألف حالة)، و«بولونيا» (12 ألفًا)، و«ميلانو» (10 آلاف)، و«ألبوساجيا» في محافظة «سوندريو» (7400)، إلى جانب «فيرينسي» و«بافيا» (نحو 7 آلاف لكل منهما).

ويُعد مجمّع الحرق في «بولونيا» مثالًا بارزًا على هذا التوسع، إذ ارتفع عدد العمليات فيه من 6800 في عام 2019 إلى 12 ألفًا في 2022. وإذا كانت %95 من الجثامين في 2019 تأتي من «بولونيا» ومحيطها، فقد انخفضت هذه النسبة إلى %53 في 2021، مع تدفق جثامين من مناطق أخرى. كما شهدت الأسعار تخفيضات كبيرة، إذ دُفعت رسوم تقل عن نصف التعرفة القياسية لبعض الحالات.


ورغم انتهاء الجائحة، لم يتغير الوضع كثيرًا، إذ واصلت المحارق تقديم عروض مخفّضة، ما أدى إلى تفاقم المشكلات. ففي عام 2024، تقدَّمت شركتان للخدمات الجنائزية في «بولونيا» بشكوى بسبب تكدّس الجثامين بانتظار الحرق، حيث وُضعت أعداد منها في ساحات المنشأة. وفي بعض الحالات، اضطر الأهالي للانتظار أكثر من شهر لإتمام العملية.


إضافة إلى ذلك، أدّى التشغيل المتواصل للمحارق الأكثر نشاطًا إلى تعطّل أعمال الصيانة، ووقوع أعطال بسبب الاستخدام المفرط. كما اضطرَّت بعض البلديات، مثل «ميلانو»، إلى إغلاق المحارق مؤقَّتًا لمعالجة التراكم في الطلبات المجدولة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان اسفل المشاركات

الإيطالية نيوز

الإيطالية نيوز، موقع إخباري مهتم بشؤون الجالية المقيمة في الخارج مع إطلالة على أهم الأحداث والحوادث الواقعة في العالم.

انظم إلينا عبر المنصات التالية

للتواصل معنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

سينما

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

أقاليم إيطاليا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

مواقع قد تفيدك