ورغم أن انسحابًا من هذا النوع يتطلب موافقة «الكونغرس» بأغلبية الثلثين، وهو أمر غير مضمون، فإن مجرد التشكيك في التزام الولايات المتحدة بالحلف يُضعف مصداقيته ويقوّض ثقة أعضائه بمستقبله.
تحالف يتآكل من الداخل
تأسس «الناتو» خلال «الحرب الباردة» لمواجهة الاتحاد السوفيتي، ويُعدّ مبدأ الدفاع المشترك المنصوص عليه في المادة الخامسة حجر الزاوية فيه، إذ ينص على أن أي هجوم على دولة عضو يُعد هجومًا على جميع الأعضاء.
غير أن ثقة الدول الأوروبية في التزام «واشنطن» بهذا المبدأ لم تعد كما كانت، بعد أن شكك «ترامب» في استعداد بلاده للدفاع عن حلفائها، ما أدى إلى تآكل تدريجي في الثقة داخل الحلف.
أوروبا أمام خيار صعب
في ظل هذه المعطيات، بات التفكير في «الناتو» من دون الولايات المتحدة ضرورة لدى بعض الدول الأوروبية، رغم تعقيداته الكبيرة. ويتساءل قادة وخبراء عسكريون عما إذا كان بإمكان تحالف أوروبي خالص أن يمتلك القوة الكافية لردع روسيا.
وفي هذا السياق، سخر الأمين العام للحلف «مارك روتَّه» (Mark Rutte) من الفكرة، متمنيًا «حظًا سعيدًا» لمن يعتقد أن أوروبا قادرة على الدفاع عن نفسها دون الدعم الأمريكي، مؤكدًا أن تحقيق ذلك سيكون صعبًا ومكلفًا للغاية.
في المقابل، أبدى وزير الخارجية البولندي «رادوسلاف توماسز» (Radosław Sikorski) قدرًا من التفاؤل، معتبرًا أن أوروبا لا تحتاج لمضاهاة القوة الأمريكية، بل يكفي أن تكون أقوى من روسيا.
تحديات عسكرية واقتصادية
غياب الولايات المتحدة سيحرم الحلف من عناصر حيوية، أبرزها التنسيق العسكري، والاستخبارات، والقدرات التكنولوجية المتقدمة، فضلًا عن “المظلة النووية”.
ويبلغ عدد القوات الأمريكية في أوروبا نحو 70 ألف جندي، ما يتطلب من الدول الأوروبية زيادة إنفاقها العسكري وتعزيز جيوشها لتعويض هذا النقص.
وتشير تقديرات إلى أن تحقيق استقلال عسكري أوروبي قد يتطلب استثمارات تصل إلى تريليون دولار خلال 25 عامًا، أو نحو 290 مليار دولار خلال السنوات القليلة المقبلة.
معضلة الردع النووي
تبقى قضية الردع النووي الأكثر حساسية، إذ تعتمد أوروبا منذ عقود على الترسانة الأمريكية في مواجهة روسيا. وفي حال انسحاب «واشنطن»، ستجد الدول الأوروبية نفسها أمام تحدي بناء قدرة ردع مستقلة.
ويملك كل من المملكة المتحدة و فرنسا أسلحة نووية، إلا أن قدراتهما مجتمعتين قد لا تكون كافية لتعويض الدور الأمريكي.
وقد ألمح الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون» إلى إمكانية توسيع المظلة النووية الفرنسية لتشمل دولًا أوروبية أخرى، لكن هذا الطرح لا يزال في مراحله الأولية ويواجه معارضة داخلية.
فجوات صناعية وعسكرية
تكشف الحرب في أوكرانيا عن نقاط ضعف إضافية في القدرات الأوروبية، لا سيما في إنتاج الذخيرة والمعدات العسكرية، إضافة إلى محدودية القدرات البحرية والبرية.
ويعاني القطاع الصناعي الدفاعي الأوروبي من نقص في البنية الإنتاجية، ما يجعل القارة تعتمد، في المدى المنظور، على الولايات المتحدة لتأمين جزء كبير من احتياجاتها العسكرية.
في المحصلة، فإن أي سيناريو ل«الناتو» من دون الولايات المتحدة يظل ممكنًا نظريًا، لكنه يتطلب تحولات جذرية واستثمارات ضخمة، فضلًا عن توافق سياسي أوروبي لا يزال بعيد المنال.

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.