العداء الكيني، البالغ من العمر ثلاثين عامًا، والذي يدربه المدرب الإيطالي «كْلاوْديو بيرارْديلّي» (Claudio Berardelli)، حطم الرقم السابق بفارق 30 ثانية كاملة. ولإيجاد مقارنة مناسبة، ينبغي العودة إلى السادس من مايو عام 1954، عندما قطع البريطاني «روجر بانّيستر» (Roger Bannister) مسافة ميل واحد في أقل من أربع دقائق في أكسفورد، محطمًا حاجزًا كان كثير من الأطباء يرونه مستحيلًا من الناحية الفسيولوجية. وكما حدث آنذاك، انهار الحد القديم فجأة: فبعد ساوي بأحد عشر ثانية فقط، وصل الإثيوبي «جاكوب كيبليمو» (Yomif Kejelcha) — في أول مشاركة له على هذه المسافة — بزمن 1:59:41، ليصبح ثاني رجل يكسر حاجز الساعتين. وجاء الأوغندي «جاكوب كيبليمو» (Jacob Kiplimo) ثالثًا بزمن 2:00:28، وهو أيضًا أقل من الرقم القياسي العالمي السابق. منصة تتويج لم يشهد لها تاريخ هذه الرياضة مثيلًا.
وكان الرقم القياسي السابق بحوزة الكيني «كيلفن كيبتوم» (Kelvin Kiptum)، الذي سجل في أكتوبر 2023 زمن 2:00:35 في ماراثون شيكاغو. وقد توفي كيبتوم في حادث سير في كينيا عام 2024، عن عمر 24 عامًا فقط. وقد حسّن ساوي زمنه بمقدار 65 ثانية، وهو فارق هائل في سباقات المسافات الطويلة.
اتخذ السباق شكل تحفة فنية تتكشف تدريجيًا على نحو يفوق التوقعات. فقد مرّ ساوي عند منتصف المسافة بزمن 1:00:29، بوتيرة سريعة لكنها لم تكن تاريخية بعد: حتى تلك اللحظة، بدا تحطيم الرقم ممكنًا لا مؤكدًا. ثم تغيّر شيء ما. بين الكيلومتر الثلاثين والخامس والثلاثين، قطع المسافة في 13 دقيقة و54 ثانية — أي ما يزيد قليلًا على دقيقتين و46 ثانية لكل كيلومتر — ثم زاد من سرعته بين الكيلومتر الخامس والثلاثين والأربعين مسجلًا 13 دقيقة و42 ثانية. لم يكن يحافظ على الوتيرة، بل كان يسرّع. أما النصف الثاني من السباق، الذي أنهاه في 59:01، فهو الأسرع على الإطلاق في تاريخ الماراثون. ويُلقب ساوي بـ«القاتل الصامت» لبروده في إنهاك منافسيه، ولم يخسر أي ماراثون في مسيرته: أربع مشاركات، أربع انتصارات. أما الخامسة فهي التي ستبقى خالدة في الكتب.
ويجدر التذكير بأن «حاجز الساعتين» كان قد كُسر نظريًا من قبل، ولكن من دون قيمة رسمية. ففي 12 أكتوبر 2019، قطع «إليود كيبشوجي» (Eliud Kipchoge) الماراثون في زمن 1:59:40 ضمن تحدي INEOS 1:59 في فيينا، باستخدام نظام «أرانب متناوبة» غير مسموح به وفق لوائح World Athletics، حيث تناوب عدة عدائين على التقدم أمامه لتوفير انسيابية هوائية مثالية، وهو أمر لا يمكن تحقيقه في سباق حقيقي. وقد أثبت ذلك الإنجاز أن الحاجز قابل للكسر؛ أما ساوي فقد أثبت أنه يمكن كسره في سباق رسمي.
وفي اليوم نفسه، وفي مدينة «كيلسترباخ» قرب «فرانكفورت»، مرت إنجازات أخرى على مسافة 42.195 كيلومترًا دون اهتمام كبير. فقد فاز الإيطالي «أليكس شواتزر» (Alex Schwazer)، البالغ 41 عامًا وبطل أولمبياد بكين 2008 في سباق 50 كلم مشيًا، بماراثون المشي بزمن 3:01:55، مسجلًا الرقم القياسي الإيطالي في هذه المسابقة التي أُدرجت هذا العام في الأجندة الدولية، وسيُعتمد رقمها القياسي رسميًا بنهاية الموسم. ويُعد هذا الزمن ثالث أفضل رقم عالمي في عام 2026 وأفضل رقم أوروبي. وكان في استقباله عند خط النهاية مدربه وصديقه «سانْدرو دوناتي» (Sandro Donati)، الذي رافقه منذ قرر، عقب أول قضية منشطات عام 2008، التعاون مع السلطات الرياضية. إنها قصة طويلة ومثيرة للجدل لم تنتهِ بعد: ففي سبتمبر 2025، قبلت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان طعنه ضد الإيقاف الثاني الذي فرضته عليه الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات عام 2016. أما زمنه 3:01:55 في سن 41 عامًا، فيحمل دلالة واضحة على عودة قوية ومستحقة.

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.