في مدينة ميلانو، وأمام مطعم “باوباب”، كانت أمسية عائلية تبدو عادية تمامًا: أب وأم وطفلان صغيران أنهوا عشاءهم في أجواء طبيعية لا توحي بأي توتر. غير أن تلك اللحظة اليومية البسيطة تحولت فجأة إلى مشهد صادم بعد تدخل أمني بدأ بطلب التحقق من الهوية وانتهى برجل مُثبت أرضًا أمام أطفاله الذين كانوا يصرخون ويبكون.
بحسب الروايات المتداولة، يؤكد «دِيالا كانتي» أنه اعترض على ما اعتبره أسلوبًا يحمل طابعًا تمييزيًا، بينما تتحدث الشرطة عن حالة مقاومة وتوتر أثناء عملية التفتيش. وبين الروايتين، تبقى الحقيقة القضائية مسؤولية التحقيقات والجهات المختصة. لكن بعيدًا عن الجدل القانوني، هناك حقيقة إنسانية لا يمكن تجاهلها: أطفال شاهدوا والدهم يُطرح أرضًا ويُعامل بعنف في فضاء عام. وهنا تحديدًا تكمن خطورة المشهد.
فالأثر لا يُقاس فقط بما إذا كان التدخل قانونيًا أو لا، ولا بما إذا كانت هناك مخالفة تستوجب التوقيف، بل بما يتركه ذلك من ندوب نفسية لدى الأطفال الذين وجدوا أنفسهم فجأة أمام صورة مهينة لوالدهم، صورة قد تبقى راسخة في ذاكرتهم لسنوات طويلة.
الأكثر حساسية في القضية أن الأمر لم يحدث خلال مداهمة أمنية خطيرة أو في مواجهة تهديد مباشر، بل في سياق فحص روتيني للوثائق أمام مطعم. وهذا ما يدفع إلى التساؤل حول مفهوم التناسب في استخدام القوة، وحول الكيفية التي تُدار بها مثل هذه التدخلات، خاصة عندما يكون الأطفال حاضرين.
لا أحد ينكر أن عمل قوات الأمن معقد وصعب، وأن حماية النظام العام تتطلب أحيانًا الحزم والتدخل السريع. كما أن احترام القانون واحترام رجال الأمن مبدأ أساسي في أي دولة حديثة. لكن قوة المؤسسات لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض النظام، بل أيضًا بقدرتها على ممارسة السلطة بقدر عالٍ من الحكمة والانضباط والاحترام الإنساني.
وعندما تترافق مثل هذه الوقائع مع شعور متكرر لدى بعض الفئات بأنها تُعامل بريبة بسبب لون البشرة أو الخلفية العرقية، فإن القضية تتجاوز حادثًا فرديًا لتلامس نقاشًا أوسع حول الثقة المتبادلة بين المؤسسات والمجتمع. وهنا يصبح الإنكار أو التقليل من مشاعر الإهانة والغضب خطأً إضافيًا، لأن المجتمعات الديمقراطية لا تُبنى على تجاهل الإحساس بالتمييز، بل على الإصغاء إليه ومعالجته بشفافية وعدالة.
المجتمع الناضج لا يبرر كل تصرف يصدر باسم السلطة، كما لا يُدين تلقائيًا كل من يرتدي الزي الأمني. بل يطالب بالحقيقة، وبالتناسب، وبالإنسانية من الجميع من دون استثناء.
فالصور قد تختفي سريعًا من منصات التواصل الاجتماعي،

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.