رغم الإشادة الحكومية.. المحكمة الأوروبية تدين إيطاليا مرارًا بسبب إخفاقها في حماية النساء من العنف - الإيطالية نيوز

إعلان فوق المشاركات

رغم الإشادة الحكومية.. المحكمة الأوروبية تدين إيطاليا مرارًا بسبب إخفاقها في حماية النساء من العنف

رغم الإشادة الحكومية.. المحكمة الأوروبية تدين إيطاليا مرارًا بسبب إخفاقها في حماية النساء من العنف

الإيطالية نيوز، السبت 18 يوليو 2026 – في الثلاثين من يونيو، أعلن وزير العدل الإيطالي «كارلو نورديو»، خلال اجتماع في برلين ضم نظراءه من عدة دول أوروبية، اعتزازه بما وصفه بمنظومة إيطاليا في الوقاية من العنف القائم على النوع الاجتماعي ومكافحته، مؤكدًا أن البلاد «تمتلك نظامًا متكاملًا للحماية يجمع بين التدابير المدنية والجنائية والإدارية».


لكن بعد ستة أيام فقط، أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حكمًا يدين إيطاليا بسبب تعامل مؤسساتها بصورة غير كافية مع شكاوى تقدمت بها امرأة تعرضت للعنف، معتبرة أن بعض المحاكم الإيطالية لا تزال تتبنى أحيانًا «ثقافة قائمة على التحيز الجنسي والصور النمطية».


ورغم أن المحكمة تنظر في العديد من قضايا التمييز على أساس النوع الاجتماعي، فإن تسميتها بالإيطالية ما زالت تشير إلى «حقوق الإنسان» بصيغة «حقوق الرجل»، ترجمةً للاسم الفرنسي الرسمي الذي اعتمد في خمسينيات القرن الماضي، حين لم تكن مفاهيم اللغة الشاملة مطروحة في المؤسسات الدولية. أما بالإنجليزية، فقد اعتمدت المحكمة منذ البداية مصطلح «حقوق الإنسان». ويُشار إليها في إيطاليا أيضًا باسم «محكمة EDU»، تمييزًا لها عن اختصار الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (CEDU)، التي تستند إليها المحكمة في أحكامها.


وتُعد هذه الإدانة التاسعة لإيطاليا منذ عام 2017 في قضايا تتعلق بحماية النساء من العنف.


وقالت المحامية إيلينا بياجوني، العضو في شبكة مراكز مكافحة العنف ضد النساء Di.Re، إن هذا العدد «مرتفع»، مضيفة أن إيطاليا تتشارك هذا الرقم مع تركيا، التي تواجه مؤسساتها انتقادات واسعة بشأن حماية حقوق النساء.


ولا تكمن أهمية هذه الأحكام في عددها فقط، بل في أن بعضها شكّل محطات مفصلية أرست مبادئ قانونية جديدة أصبحت أساسًا لاجتهادات المحكمة اللاحقة. ومن أبرزها الحكم الأول الصادر عام 2017 في قضية إليسافيتا تالبيس، وهي امرأة تقدمت بعدة بلاغات ضد زوجها بسبب تعرضها للضرب والتهديد.


وأوضحت المحكمة آنذاك أن التأخير في فتح التحقيقات، وتقاعس المؤسسات، والاستخفاف الواضح بمستوى الخطر، حال دون اتخاذ أي تدابير لحماية الضحية، ما أدى إلى وقوع اعتداء جديد كادت تُقتل خلاله، بينما لقي ابنها البالغ من العمر 19 عامًا مصرعه أثناء محاولته الدفاع عنها.


وخلصت المحكمة إلى أن قوات الأمن والسلطات القضائية تعاملت مع القضية باستخفاف، إذ استغرقت سبعة أشهر لإحالة محاضر البلاغات، ولم تُفعّل في الوقت المناسب إجراءات الحماية التي كانت تفرضها درجة الخطورة، معتبرة أن تقاعس السلطات وفر للجاني إفلاتًا فعليًا من العقاب.


واكتسب الحكم أهمية تاريخية لسببين رئيسيين؛ أولهما أن المحكمة اعتبرت تقاعس الدولة شكلًا من أشكال التمييز القائم على النوع الاجتماعي، في انتهاك للمادة 14 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، لأنه أثر بصورة غير متناسبة على النساء.


أما السبب الثاني، فهو أن المحكمة فسرت الحق في الحياة (المادة الثانية) وحظر المعاملة اللاإنسانية أو المهينة (المادة الثالثة) في ضوء «اتفاقية إسطنبول»، وهي أول معاهدة دولية ملزمة قانونًا بشأن الوقاية من العنف ضد المرأة والعنف الأسري ومكافحته، والتي صادقت عليها إيطاليا عام 2013.


وأكد هذا الحكم، بحسب المحكمة، وجود مشكلة هيكلية في تعامل إيطاليا مع جرائم العنف القائم على النوع الاجتماعي. وقد تقدمت الحكومة الإيطالية بطعن على القرار، إلا أن المحكمة رفضته.


وقالت المحامية «بياجوني» إن خصوصية ذلك الحكم تكمن في أنه ركز على أداء قوات الأمن والسلطة القضائية معًا، بينما تُظهر الأحكام اللاحقة أن قوات الأمن أصبحت أكثر قدرة على التعرف إلى أنماط العنف ومؤشرات الخطر، في حين لم تواكب السلطات القضائية هذا التطور، إذ لم تتخذ في كثير من الأحيان الإجراءات اللازمة استنادًا إلى تلك المؤشرات.


في قضية «تالبيس»، كانت هذه القضية دافعًا حاسمًا للموافقة على إصلاحات تشريعية جديدة لحماية الضحايا، تُوِّجت لاحقًا بإصدار قانون عام 2019 لمكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي، المعروف باسم "القانون الأحمر" (Codice Rosso). لكن في عام 2022 أُدينت إيطاليا مرة أخرى.


كانت الوقائع مشابهة لوقائع قضية «تالبيس»؛ إذ كانت امرأة تُدعى «أناليزا لاندي» قد تقدمت بعدة بلاغات ضد شريكها بسبب أعمال العنف التي ارتكبها بحقها. وكان الرجل يعاني من اضطرابات نفسية، وسبق أن خضع للتحقيق في جرائم مماثلة. وقد أجرى عناصر الدرك الإيطالي (الكارابينييري) تقييمًا اعتبرته المحكمة الأوروبية صحيحًا، وتصرفوا بسرعة. إلا أن النيابة العامة بقيت مكتوفة الأيدي؛ فلم تُجرِ أي تحقيقات، ولم تأمر باتخاذ أي تدابير لحماية المرأة. وانتهت القضية بمحاولة قتلها، وبمقتل ابنها البالغ من العمر عامًا واحدًا.


ولم تكن المشكلة في هذه القضية أن إيطاليا تفتقر إلى قوانين مناسبة، وإنما في أنها لم تُطبَّق عمليًا. وتقول المحامية «بياجيوني» إن إيطاليا تعاني قصورًا كبيرًا فيما يُعرف بـ "مبدأ الفعالية"، أي القدرة على ضمان احترام الحقوق التي تكفلها الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان احترامًا عمليًا، لا مجرد إدراجها نظريًا في التشريعات. وترى «بياجيوني» أن الفعالية تمثل «الركيزة التي يقوم عليها النظام بأكمله» للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، ويُقاس تحققها وفق ثلاثة معايير: ألا تُنتهك الحقوق المنصوص عليها في الاتفاقية؛ وأن تُنفَّذ هذه الحقوق بعناية وسرعة؛ وألا توجد عوائق هيكلية، كتلك التي تنشأ عندما يؤدي تقاعس أجهزة إنفاذ القانون أو النيابات العامة إلى تعطيل فعالية القوانين.


وفي عام 2022 تلقت إيطاليا حكمين آخرين بالإدانة من المحكمة الأوروبية، سلطا الضوء على أوجه قصور إضافية. فقد كانت «سيلفيا دي جورجي»قد تقدمت بين عامي 2015 و2019 بسبعة بلاغات ضد الرجل الذي انفصلت عنه. ورغم أعمال العنف والملاحقة الموثقة التي تعرضت لها هي وأطفالها الثلاثة، فقد سقطت الجرائم المنسوبة إليه بالتقادم بسبب البطء الشديد الذي أبدته النيابة العامة والقضاة في مباشرة الإجراءات. وأكدت المحكمة أن السماح بانقضاء جرائم العنف القائم على النوع الاجتماعي بالتقادم يمثل إخفاقًا كاملًا من جانب الدولة في أداء واجبها.


غير أن قضية «دي جورجي» كانت ذات أهمية خاصة أيضًا لأن المحكمة شددت على أن تقاعس جهات التحقيق قد فاقم حالة القلق والخوف التي كانت تعيشها المرأة، حتى أصبح هذا التقاعس في حد ذاته صورة من صور المعاملة المهينة. وتوضح «بياجيوني» أن «العنف النفسي أصبح يُعد جزءًا من العنف الأسري، وبمستوى يكفي لاعتباره انتهاكًا لحقوق الإنسان التي تكفلها الاتفاقية الأوروبية».


كما أدان أحد المقاطع المهمة في هذا الحكم الممارسة المتمثلة في اختزال العنف الأسري إلى مجرد نزاع ناتج عن الانفصال. وتقول «بياجيوني»: «يجب التمييز بوضوح بين النزاع والعنف؛ ففي النزاع يكون الطرفان في وضع متكافئ، أما في حالة العنف فإن أحد الطرفين يمارس السلطة والسيطرة على الآخر، ويسعى إلى فرض إرادته من خلال العنف الجسدي أو التهديد أو الابتزاز».


وفي قضية أخرى عام 2022، أكدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن التأخير الذي يطبع عمل القضاء الإيطالي ليس مجرد حالات شاذة أو معزولة، بل هو نتيجة خلل هيكلي في النظام القضائي الإيطالي. كما أدانت إيطاليا بسبب ما يُعرف بـ «الإيذاء الثانوي للضحية» الذي مارسته المؤسسات، إذ تبين للمحكمة أن المرأة تعرضت خلال مختلف مراحل التقاضي للوم والتشكيك، وأن رواياتها جرى التقليل من شأنها، مما جعلها ضحية لعنف ثانٍ.


أما أولى الإدانات التي أشارت فيها المحكمة إلى الصور النمطية الجنسية الواردة في الأحكام الوطنية، فتعود إلى عام 2021. وكانت القضية تتعلق ببراءة سبعة رجال في مرحلة الاستئناف من تهمة اغتصاب جماعي كانت قد وجهتها إليهم شابة تُدعى «ج. ل.» (J.L.). وقد تضمن حكم الاستئناف إشارات إلى الحياة الجنسية السابقة للمرأة، وإلى ميولها الجنسي، وحتى إلى نوع الملابس الداخلية التي كانت ترتديها يوم الواقعة. ورأت المحكمة أن اللغة والحجج المستخدمة تعكس «الأحكام المسبقة بشأن دور المرأة السائدة في المجتمع الإيطالي»، الأمر الذي يحول دون توفير حماية فعلية لحقوق ضحايا العنف القائم على النوع الاجتماعي.


وقد كررت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان الحجج نفسها المتعلقة بالتحيزات البنيوية داخل القضاء الإيطالي في قضية «م. س.» (M.S.) لعام 2022، وكذلك في قضية «فالنتينا سكوديروني» عام 2025. وكانت «سكوديروني» محامية جنائية مستقلة اقتصاديًا، وقد قاومت الاعتداءات التي تعرضت لها من شريكها السابق. ولهذا السبب لم تعتبرها إحدى المحاكم ضحية بالمعنى الكامل، أي امرأة واقعة تحت حالة من الخضوع النفسي. بل رأت أن السلوكيات المزعجة والعدوانية للرجل كانت تعبر عن نزاع بين الطرفين، لا عن إساءة معاملة منهجية، فقضت ببراءته.


وعندئذ أرست المحكمة مبدأً أساسيًا آخر، مؤداه أن مقاومة الضحية، أو كونها غير هشة أو غير ضعيفة بطبيعتها، لا يزيل اختلال ميزان القوة بين الطرفين، ولا يقلل من جسامة الانتهاك، ولا ينفي عنها صفة الضحية.


حتى آخر حكم صدر ضد إيطاليا يتضمن إدانة شديدة اللهجة «للثقافة الذكورية القائمة على التحيزات والصور النمطية، والتي يجب تجنبها داخل قاعات المحاكم الوطنية». فمنذ سنوات ترى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن الإطار التشريعي الإيطالي كافٍ وملائم؛ غير أن المشكلة لا تزال تكمن في كيفية تطبيق هذه القوانين.


والجهة المكلفة بمراقبة تنفيذ الدول الأعضاء للأحكام الصادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان هي لجنة وزراء مجلس أوروبا. وبعد صدور حكم بالإدانة، تدخل الدولة المعنية في مرحلة من المراقبة، وتكون ملزمة بتقديم وثيقة مفصلة تُسمى «خطة العمل»، توضح فيها الكيفية التي تعتزم بها معالجة الانتهاكات التي ثبتت بحقها، وعلى رأسها الانتهاكات الفردية.


وعليها، أولًا، أن تثبت أنها دفعت للضحية التعويض المالي الذي قررته المحكمة، أو أنها أعادت فتح المحاكمة إذا كانت المحكمة قد طلبت ذلك. كما يتعين على الدولة أيضًا اعتماد إصلاحات هيكلية تحول دون تكرار الانتهاكات نفسها في المستقبل.


وتقول المحامية «بياجيوني»: «منذ عام 2018، تخضع إيطاليا، فيما يتعلق بالأحكام الصادرة بشأن العنف الأسري، وكذلك بالحكم المتعلق بقضية الاغتصاب الخاصة بـ «ج. ل.» (J.L.)، لمرحلة رقابة خاصة مشددة، تُعرف تقنيًا باسم "الإجراء المعزز"».


وبناءً على ذلك، لا تزال الدولة الإيطالية تُعد مقصرة بصورة جسيمة في التطبيق العملي لقوانينها وإصلاحاتها، رغم إقرارها على المستوى التشريعي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان اسفل المشاركات

الإيطالية نيوز

الإيطالية نيوز، موقع إخباري مهتم بشؤون الجالية المقيمة في الخارج مع إطلالة على أهم الأحداث والحوادث الواقعة في العالم.

انظم إلينا عبر المنصات التالية

للتواصل معنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

سينما

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

أقاليم إيطاليا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

مواقع قد تفيدك