الإيطالية نيوز، الجمعة 21 أغسطس 2026 – في أعقاب وفاة الشاب المصري «ممدوح كرم محمد خضر»، البالغ من العمر 19 عامًا، داخل سجن بوردينوني، عبّر «ألبرتو برنافـا»، عمدة مدينة «سان فيتو آل تايامنتو» في مقاطعة «بوردينوني»، عن صدمته العميقة من موجة التعليقات التي احتفت بوفاة الشاب أو تعاملت معها باعتبارها أمرًا يستحق الفرح في إساءة صريحة لكرامة روحه الذاهبة إلى العدالة الإلاهية.
ممدوح وصل إلى إيطاليا على متن قارب وهو في الرابعة عشرة من عمره، وعاش سنوات على هامش المجتمع بسبب وضعه القانوني غير النظامي، متنقلًا بين السجن ومؤسسات الرعاية، قبل أن تنتهي حياته داخل زنزانته إثر استنشاق دخان وغاز أول أكسيد الكربون الناتجين عن حريق اندلع في فراشه.
لكن، بعيدًا عن تفاصيل القضية ومسؤولية الشاب عن أفعاله أو الجرائم التي قد يكون ارتكبها، تبقى هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها: لقد مات شاب لم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره. كان ابنًا لشخص ما، وربما أخًا، وإنسانًا كان هناك بالتأكيد من يحبه ويهتم لأمره. وهذه، في حد ذاتها، مأساة إنسانية.
الأكثر إثارة للقلق، في رأي العمدة، هو أن هذه المأساة قوبلت على وسائل التواصل الاجتماعي بتعليقات من قبيل: «واحد أقل»، و«لقد تخلصنا من نفقاته»، و«يحيا»، و«فلنحتفل»، بل وحتى السخرية من الفراش الذي اشتعلت فيه النيران. عبارات صادمة تكشف، بحسب «برنافا»، عن مستوى مقلق من القسوة تجاه حياة الإنسان، حتى عندما يكون الشخص المعني قد أخطأ أو ارتكب جريمة.
وأوضح العمدة “ إن سيادة القانون لا تقوم على الانتقام، ولا يجوز أن تتحول العقوبة إلى نزع للإنسانية عن المحكوم عليه. فالشخص لا يمكن اختزاله في الجريمة التي ارتكبها، كما أن الدولة القانونية تملك منظومة واضحة من القوانين والقضاء والعقوبات التي تحدد المسؤولية والعقاب بما يتناسب مع الضرر المرتكب.”
وفي إيطاليا، كما يشدد العمدة، لا ينبغي أن تكون العدالة خاضعة للانفعالات الجماعية أو لرغبة الانتقام. فالدولة التي تستند إلى إرث بيكاريا وكالاماندري وبوبّيو وإلى دستور يضع الحرية والحقوق والواجبات في صميم نظامها، مطالبة بأن تحافظ على هذه المبادئ حتى في أصعب الظروف.
ومن هذا المنطلق، يرى «ألبرتو برنافـا»، عمدة مدينة «سان فيتو آل تايامنتو»، “إن الدفاع عن ظروف احتجاز كريمة وإنسانية لا يعني تبرير الجرائم أو التساهل معها، بل يعني الإصرار على أن العقوبة نفسها يجب أن تبقى خاضعة للقانون والكرامة الإنسانية. فالسجين الذي يقضي عقوبته ينبغي أن يحصل، قدر الإمكان، على فرصة لإعادة بناء حياته والعودة إلى المجتمع والعيش وفق القانون.”
بالنسبة إليه، هذه ليست مجرد رؤية مثالية، بل مقاربة عملية أيضًا. فإعادة تأهيل السجناء ومساعدتهم على الاندماج مجددًا في المجتمع يمكن أن تقلل احتمال عودتهم إلى الجريمة بعد الإفراج عنهم. أما من يرفض قواعد المجتمع، فتبقى العدالة مطالبة بالتعامل معه بحزم، ولكن وفق القانون وليس وفق نزعات الغضب والانتقام.
وفي الوقت نفسه، يضيف «ألبرتو برنافـا»، من الإنصاف توجيه كلمة تقدير إلى العاملين في المؤسسات العقابية، من عناصر الشرطة السجنية والمربين ومديري السجون إلى العاملين في القطاعين الصحي والإداري، الذين يعملون يوميًا في ظروف صعبة، ويواجهون نظامًا يعاني في كثير من الأحيان من نقص الموارد والإمكانات. وفي النهاية، تبقى القاعدة الأخلاقية الأهم بسيطة وواضحة: لا شيء يمكن أن يبرر الموت، ولا يوجد أي سبب يبرر الحط من قيمة حياة الإنسان، أيًا كان صاحبها.
وفي ختام تعليقه، أوضح العمدة إن احترام حياة شاب في التاسعة عشرة من عمره لا يعني تجاهل أخطائه، كما أن المطالبة بالعدالة لا تعني التخلي عن الإنسانية. وبين هذين المبدأين يجب أن يقف المجتمع الديمقراطي: القانون في مواجهة الجريمة، والكرامة في مواجهة الكراهية، والإنسانية في مواجهة منطق التشفي بالموت.

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.