الإيطالية نيوز، الأحد 23 أغسطس 2026 - وجه البروفيسور «فؤاد عودة»، الطبيب الجامعي والإعلامي، رسالة مفتوحة إلى رؤساء دول وحكومات بلدان البحر المتوسط، والمؤسسات الإيطالية والأوروبية، والمنظمات الدولية، وفعاليات الرياضة والصحة والجامعات والإعلام، إلى جانب الجمعيات ومكونات المجتمع المدني، دعا فيها إلى تحويل دورة ألعاب البحر المتوسط «تارانتو 2026» إلى محطة دولية لتعزيز السلام والحوار والتعاون والأخوة بين الشعوب.
وقال «عودة»، باسم «نقابة الأطباء من أصل أجنبي في إيطاليا» (AMSI)، و «جالية العالم العربي في إيطاليا»(CO-MAI)، «الرابطة الطبية الأوروبية الشرق أوسطية الدولية» (UMEM)، و«الاتحاد الرياضي الأورومتوسطي» (USEM)، و «آيسك نيوز» (الوكالة العالمية للإعلام بلا حدود)، و«حركةمتحون للوحدة» الدولية، إن الرياضة قادرة، في لحظات معينة، على تجاوز حدود المنافسة والنتائج والميداليات، لتتحول إلى لغة عالمية تجمع الشعوب.
وأعرب «عودة» عن تقديره لإيطاليا ومدينة «تارانتو» والمؤسًّسات والمنظمين والمتطوعين والرياضيين وجميع الوفود المشاركة في هذه التظاهرة، موجهاً تحية خاصة إلى الرئيس الإيطالي «سيرجيو ماتّاريلّا»، الذي ربط رسالة الألعاب بشعارها «Embrace the Future»، معتبراً أن هذا الشعار يحمل أملاً بمستقبل يقوم على السلام والتنمية والتسامح.
وأشار «عودة» إلى أن ماتاريلا لفت، في المقابل، إلى التحديات التي يعيشها البحر المتوسط، من صراعات وعنف وأزمات هجرة، مؤكدًا على أن المنطقة يجب أن تستعيد دورها التاريخي باعتبارها فضاءً للحضارة والحوار والتعاون والتضامن بين الشعوب.
لا يمكن التعايش مع الحرب باعتبارها أمراً طبيعياً
وشدَّد «عودة» على أن العالم يعيش واحدة من أصعب مراحله الدولية خلال العقود الأخيرة، في ظل الحرب الروسية الأوكرانية، والصراعات والتوترات في الشرق الأوسط، والأزمات الإنسانية، والتنافس الجيوسياسي وتصاعد الإنفاق العسكري.
وقال إن المجتمعات لا ينبغي أن تعتاد على مشاهد الحرب والدمار وسقوط الضحايا ونزوح السكان، ولا أن تعتبر من الطبيعي أن تنشأ أجيال كاملة وسط الخوف والانقسام.
وأكد أن الدبلوماسية ليست ضعفاً، والحوار ليس استسلاماً، داعياً إلى بذل كل الجهود الممكنة لوقف الحروب، وحماية المدنيين، واحترام القانون الدولي، وإعادة فتح قنوات الوساطة والحوار.
واعتبر أن دورة «تارانتو» تقدم نموذجاً واضحاً لما يمكن أن تحققه الرياضة، حيث يلتقي آلاف الشباب من 26 دولة ومن ثلاث قارات للتنافس والدفاع عن ألوان بلدانهم، دون أن يتحوَّل التنافس إلى عداء.
وأضاف أن ما يتحقق داخل الملاعب يمكن أن يشكل درساً للعلاقات الدولية، لأن احترام الخصم والتنافس الشريف يمكن أن يكونا أساساً لعلاقات أكثر تعاوناً بين الشعوب.
البحر المتوسط.. جسر بين الشعوب وليس جداراً
ودعا «عودة» إلى إعادة النظر في صورة البحر المتوسط، مؤكداً أنه لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد ساحة للتنافس الجيوسياسي أو إلى حدود تفصل بين شمال العالم وجنوبه.
وأشار إلى أن البحر المتوسط كان، على مدى آلاف السنين، ملتقى للحضارات والثقافات والأديان والعلم والمعرفة، داعياً إلى أن يستعيد دوره كـ«جسر» بين الشعوب بدلاً من أن يتحول إلى «جدار».
ورأى أن الرياضة تقدم مثالاً عملياً على إمكانية تحقيق ذلك، إذ يستطيع الرياضيون أن يتنافسوا بشدة دون أن يتحولوا إلى أعداء، وأن يعتز كل منهم بعلمه وهويته مع احترام أعلام الآخرين.
الهجرة.. وراء كل رقم إنسان
وتوقف «عودة» عند ملف الهجرة، الذي يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه منطقة المتوسط، مشدداً على أن وراء كل رقم في إحصاءات الهجرة إنساناً، من نساء ورجال وأطفال وشباب وعائلات، بينهم من يفرون من الحروب والفقر والاضطهاد، ومن يبحثون عن فرصة لحياة أفضل.
وأكد ضرورة إدارة الهجرة من خلال سياسات متوازنة تجمع بين الشرعية والأمن ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر، وبين فتح مسارات قانونية ومنظمة، وتعزيز التعاون مع بلدان المنشأ والعبور، ودعم الاندماج المهني والاجتماعي والصحي، إلى جانب بناء سياسة أوروبية مشتركة في مجال الهجرة.
وأشار إلى مفارقة رمزية تتمثل في أن شباباً من مختلف دول المتوسط يعبرون الحدود والبحر للوصول إلى تارانتو والمشاركة في المنافسات الرياضية، بينما يخوض شباب آخرون عبور البحر نفسه، معرضين حياتهم للخطر، بحثاً عن الأمان والمستقبل.
وقال إنهما «وجهان للبحر المتوسط نفسه»، داعياً السياسة إلى النظر إلى الصورتين معاً.
الصحة.. لغة قادرة على بناء جسور السلام
وبصفته طبيباً وممثلاً لمهنيين صحيين من جنسيات وأصول مختلفة، أكد عودة أن القطاع الصحي يمكن أن يتحول إلى إحدى أهم أدوات الدبلوماسية والتعاون الدولي.
وأشار إلى أن مستشفيات إيطاليا وأوروبا تجمع يومياً أطباء وممرضين ومهنيين صحيين ينتمون إلى ثقافات وبلدان وأديان مختلفة، موضحاً أن المريض، عندما يحتاج إلى العلاج، لا يُنظر إليه من منظور الانتماءات الجيوسياسية.
ودعا إلى تعزيز التعاون الصحي الأورومتوسطي، من خلال تبادل الخبرات بين المهنيين والجامعات والمؤسسات الصحية، وإطلاق برامج مشتركة في التدريب والبحث والوقاية والصحة العالمية، والاستجابة للطوارئ، وحماية صحة المهاجرين.
وأكد أن الصحة تستطيع الوصول إلى أماكن قد تعجز السياسة أحياناً عن الوصول إليها، وأن بناء الثقة يمثل الخطوة الأولى نحو السلام.
الشباب والجامعة والثقافة في مواجهة الانقسام
ودعا «عودة» إلى جعل الشباب محورًا أساسيًا لأي مشروع مستقبلي للمتوسط، محذِّراً من ترك الأجيال الجديدة أمام صورة لبحر متوسط تحكمه الصراعات والشكوك والجدران والمواجهات.
وطالب بتوسيع برامج التبادل بين الطلاب والجامعات والباحثين والمهنيين والرياضيين والجمعيات في مختلف دول المنطقة، بما يتيح للشباب التعارف والتعاون وبناء علاقات تتجاوز الحدود السياسية والثقافية.
وأكد أن التعارف يقلل الخوف من الآخر، وأن الحوار يحول دون تحول الاختلاف إلى كراهية، بينما تمثل الرياضة إحدى اللغات العالمية القادرة على تقريب الشعوب.
الإعلام مسؤول أيضًا عن بناء الجسور
وفي جانب آخر من الرسالة، شدد «عودة»، بصفته صحفياً وناشراً علمياً دولياً، على المسؤولية الكبيرة التي تقع على عاتق وسائل الإعلام في طريقة تناول قضايا الحرب والهجرة والأديان والجاليات الأجنبية.
ودعا الصحفيين ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي إلى مواجهة خطاب الكراهية والعنصرية ومعاداة السامية والإسلاموفوبيا والتمييز والأخبار الكاذبة والتعميمات التي تحول شعوباً بأكملها إلى خصوم.
وأكد أن الدفاع عن حرية الإعلام يجب أن يترافق مع تحمل مسؤولية الكلمة، بحيث يساهم الإعلام في تعزيز المعرفة المتبادلة بدلاً من إقامة جدران جديدة بين المجتمعات.
«تارانتو 2026» يجب ألا تنتهي بانتهاء الألعاب
وحوّل «عودة» رسالته إلى مقترح عملي، داعياً إلى ألا ينتهي إرث دورة ألعاب البحر المتوسط بانتهاء المنافسات والحفل الختامي.
واقترح العمل على إنشاء «ميثاق دائم للبحر المتوسط من أجل السلام والصحة والشباب والرياضة والإعلام والاندماج والحوار»، بمشاركة الحكومات والمؤسسات الأوروبية والدولية والجامعات والنقابات المهنية والقطاع الصحي والجمعيات والجاليات الأجنبية والمؤسسات الدينية والصحفيين ومكونات المجتمع المدني.
وقال إن المنطقة تحتاج إلى فضاء دائم للحوار يجمع مختلف الفئات حول طاولة واحدة، مع إشراك الأجيال الشابة بصورة مباشرة.
وأكد أن الحوار لا ينبغي أن يبدأ فقط بعد اندلاع الحروب أو وقوع المآسي، بل يجب أن يُبنى مسبقاً، قبل أن يصبح الأوان متأخراً، معتبراً أن تارانتو يمكن أن تكون نقطة انطلاق لهذا المشروع.
نداء إلى حكومات وشعوب البحر المتوسط
وفي ختام رسالته، دعا «عودة» رؤساء الدول والحكومات و«الاتحاد الأوروبي» والمؤسَّسات الدولية إلى التقاط الرسالة التي تحملها ألعاب «تارانتو»، كما دعا الرياضيين إلى مواصلة دورهم كسفراء للاحترام والأخوة، والشباب إلى رفض تحويل الاختلافات الثقافية والدينية إلى أدوات للكراهية.
كما دعا الجامعات ومراكز البحث إلى توسيع برامج التبادل والتعاون، والمهنيين الصحيين إلى مواصلة بناء جسور التعاون، والصحفيين والعاملين في الإعلام إلى استخدام الكلمة من أجل المعرفة لا الانقسام.
وشدد على ضرورة أن تتحلى السياسة بالشجاعة والمسؤولية والتمسك بالدبلوماسية والحوار.
واعتبر أن «تارانتو»، المدينة المتوسطية ذات التاريخ الحضاري العريق، يمكن أن تتحول إلى رمز لرؤية جديدة للمنطقة: من بحر متوسط للحروب إلى بحر متوسط للحوار، ومن فضاء للموت والهجرة اليائسة إلى فضاء للتعاون، ومن ساحة للانقسام إلى مجال للشباب والرياضة والصحة والثقافة والسلام.
ووجه «عودة» في النهاية رسالة مباشرة إلى الرياضيين الشباب المشاركين في الألعاب، قائلاً إن اختلاف الأعلام واللغات لا يمنعهم من تقاسم أرض واحدة وقيم مشتركة، مؤكداً أن فرحة الانتصار ومرارة الهزيمة والعناق والمصافحة لا تحتاج إلى ترجمة.
ودعا إلى تحويل رسالة رئيس الجمهورية «سيرجيو ماتّاريلّا» وتمنّي البابا «ليو الرابع عشر» إلى التزام عملي، بحيث تصبح «ألعاب تارانتو» بالفعل «نبوءة للسلام والأخوة».
وختم بالقول إن نجاح هذه الفعاليات الرياضية في «تارانتو» لا يقاس فقط بالمنشآت والبنى التحتية والنتائج الرياضية، وإنما بما إذا كانت الألعاب ستنجح في إطلاق التزام دائم يتجاوز الحدود، ويذكّر العالم بأن البحر المتوسط لا يزال قادرًا على توحيد ما تفرقه الحروب والتطرُّف والكراهية والانقسامات.
فإذا تحقق ذلك، فلن تكون الميدالية من نصيب دولة واحدة، بل ستكون ملكاً لجميع شعوب البحر المتوسط.
البروفيسور فؤاد عودة
طبيب أخصائي وخبير في الصحة العالمية، وصحفي ومدير AISCNEWS وناشر علمي دولي، وعضو سجل خبراء FNOMCEO ومحاضر في جامعة تور فيرغاتا، ومؤسس حركة «اتحاد من أجل إيطاليا» للإيطاليين والعرب والمواطنين من أصل أجنبي.
شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.