بعد الأحداث التي شهدتها سبتة، كثيرون يتحدثون، لكن قلة فقط تعرف ما يجري خلف الكواليس في ملف استضافة كأس العالم...
الإيطالية نيوز، الأحد 8 أغسطس 2026 – قالت صحيفة «إل كونفيدنثيال» الإسبانية أن الأحداث التي وقعت مؤخرًا في مدينة «سبتة» ذاتية الحكم ليست وليدة اليوم، وتكرارها يجب أن يوقظ وعي أولئك الذين لم يكونوا يدركون ما يحدث أو كانوا يتغاضون عنه. فتنظيم كأس العالم لكرة القدم مع دولة تنتهك سيادتك الوطنية، بحسب الصحيفة الإسبانية، لا يبدو فكرة جيدة، ولا سيما إذا كان الأمر بالنسبة إلى تلك الدولة «قضية دولة»، بينما تكون الدولة في بلدك موضع تساؤل.
وكما يقول مصدر مطلع يفضل عدم الكشف عن هويته: “لا تُقاس كأس العالم فقط بعدد المباريات التي يستضيفها كل بلد، أو بحداثة ملاعبه، أو بكفاءة تنظيمه. بل تُقاس أيضًا بأمر أكثر صعوبة في تحديده كمًّا: من يستحوذ على الرصيد السياسي والمؤسسي للحدث، وينتهي به الأمر إلى أن يُذكر باعتباره المضيف الحقيقي للبطولة بعد انطفاء الأضواء.”
وفي هذا السياق، يكفي النظر إلى ما حدث مؤخرًا في كأس العالم التي تستضيفها الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، حيث استحوذت الدولة الأولى على كل الاهتمام تقريبًا، وبصورة أكثر تحديدًا رئيسها «دونالد ترامب». وكان لـ«جاني إنفانتينو» دور كبير في ذلك، فهو تحديدًا الحليف الأبرز للمغرب في مسعاه لكي ينتقل المملكة العلوية في مونديال 2030 من موقع الضيف إلى ممارسة دور المضيف.
من شريك ضروري إلى بطل رئيسي
يقول المصدر نفسه: «عندما قررت إسبانيا والبرتغال إشراك المغرب، كانت الخطوة تستند إلى منطق لا تشوبه شائبة. فقد كانت الفيفا ترسل منذ فترة إشارات تفيد بأنها تقدر الملفات القادرة على تجاوز الحدود التقليدية لكرة القدم، وإيصال رسائل بشأن التعاون الدولي. وكان المغرب يوفر البعد الأفريقي الذي يعزز المشروع ويحول البطولة إلى جسر بين قارتين».
لكن شيئًا هو تعزيز ملف الترشح والحصول على الدعم اللازم لإنجاحه، وشيء آخر مختلف تمامًا هو تغيير التوازن الذي تأسس عليه الملف.
ويضيف المصدر: «صحيح أن الانطباع السائد هو أن المغرب لم يعد يطمح فقط إلى تنظيم جزء من البطولة، بل إلى أن يصبح الطرف الرئيسي فيها، سياسيًا ورمزيًا على حد سواء. من شريك ضروري إلى بطل رئيسي».
ولهذا السبب، ولا سيما رئيس «الاتحاد الملكي الإسباني لكرة القدم» (RFEF)، «رافائيل لوسان»، لا يستطيع التقليل من شأن هذه الاستراتيجية. ويزداد الأمر أهمية إذا كان، كما هو الحال، حكومته تتعامل مع المغرب بقدر من الضعف لأسباب ما زلنا نجهلها.
ويؤكد المصدر نفسه: “من يعتقد أن الاتحاد المغربي لكرة القدم وحده يقف وراء هذه الاستراتيجية، فإنه ينظر إلى المشكلة من منظور ضيق للغاية. ففي المغرب، يصعب فهم المشاريع الوطنية الكبرى بمعزل عن المؤسسة الملكية.”
بالنسبة إلى محمد السادس، يتجاوز المونديال حدود الرياضة
وهكذا، فإن ما يسمى «الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك» لا يمثل مجرد صيغة بروتوكولية، بل يعبر عن رفع مبادرة ما إلى مستوى أولوية وطنية. وهي إشارة إلى أن الدولة ومؤسساتها وجزءًا كبيرًا من قدراتها السياسية والاقتصادية والدبلوماسية ستتحرك في اتجاه واحد، وهو أمر لا يحدث، على الأقل في الوقت الراهن، في إسبانيا، وفقًا لما انتقده رئيس الاتحاد الملكي الإسباني لكرة القدم.
ويقول المصدر: “بالنسبة إلى محمد السادس، يتجاوز تنظيم كأس العالم حدود الرياضة. فهو يمثل فرصة استثنائية لترسيخ المكانة الدولية للمملكة، وتعزيز موقعها الجيوسياسي، وجذب الاستثمارات، وتنشيط السياحة، وتقديم صورة عن الحداثة إلى الخارج، وهي صورة جرى بناؤها بعناية خلال السنوات الأخيرة. لا يتعلق الأمر فقط بتنظيم مباريات، بل باستخدام أكبر واجهة رياضية على هذا الكوكب لتعزيز تصور معين عن الدولة.”
ومن المفيد بالفعل عدم إغفال أن الملكية المغربية لا تؤدي دورًا مؤسسيًا فحسب. فقد وثقت تحليلات اقتصادية مختلفة حضورها المهم في قطاعات استراتيجية من الاقتصاد الوطني. وتشكل السياحة والبنية التحتية والخدمات والاستثمار والتنمية أجزاءً من منظومة يمكن أن يتحول فيها النجاح الدولي للمونديال أيضًا إلى عوائد اقتصادية ونفوذ كبيرين.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن المونديال يمثل أكثر بكثير من مجرد حدث رياضي. إنه عملية على مستوى الدولة.
ولهذا السبب تحديدًا، تبدو اللامبالاة التي تتعامل بها إسبانيا مع هذا التطور مفاجئة. فهناك لجنة مشتركة بين الوزارات يجري فيها تهميش رئيس الاتحاد الملكي الإسباني لكرة القدم، بحيث تكون له صفة المتحدث دون حق التصويت، فيما جرى وضع نظيره ورئيس اللجنة الأولمبية الإسبانية، أليخاندرو بلانكو، على رأس مجموعة التنسيق. ويُعرف بلانكو بلقب «الوزير الخارق» لدى حكومة سانشيز، بسبب علاقته الوثيقة به عبر نجله وقضية أطروحته الشهيرة. وهنا تحديدًا يرى الخبراء الفارق الكبير.
ويقول مصدرنا: “في الوقت الذي ينشر فيه المغرب استراتيجية لتعزيز موقعه على الساحة الدولية، لا يزال نقاشنا عالقًا في قضايا داخلية: أي مدينة ستحصل على مقعد إضافي، وأي ملعب يستوفي الشروط بصورة أفضل، وأي إدارة ستتحمل استثمارًا معينًا. إنها نقاشات مشروعة، لكنها غير كافية. لأن المباراة الحقيقية تُلعب على أرض أخرى.”
بناء الرواية حول هوية المنظم
ويضيف: “إن حفل الافتتاح، والمباراة النهائية، والفعاليات المؤسسية الكبرى، ومؤتمر الفيفا، والمراكز الدولية للصحافة، وقبل كل شيء، صياغة الرواية التي ستُبنى حول البطولة، تحمل قيمة سياسية واقتصادية وسياحية تفوق بكثير أي نقاش محلي. وهناك تحديدًا يتقرر من يفوز فعليًا بكأس العالم، حتى لو لم يرفع الكأس في النهاية.”
وفي هذا السياق، يواجه «رافائيل لوسان» أكبر تحدٍ خلال فترة رئاسته.
ويقول المصدر: “لم يرث مجرد تنظيم بطولة، بل ورث مفاوضات مستمرة. فمسؤوليته لا تنتهي عند ضمان تنظيم إسبانيا لكأس عالم مثالية، بل تشمل أيضًا الدفاع عن احتفاظ البلاد بالمكانة التي تستحقها باعتبارها صاحبة المبادرة في ملف الترشح، وإحدى القوى التاريخية الكبرى في كرة القدم، والركيزة التنظيمية الرئيسية للمشروع.”
وينبغي للبرتغال أن تتقاسم هذا القلق أيضًا. فقد قاد البلدان المبادرة وتحملَا العبء الأكبر، رياضيًا ومؤسسيًا، في ملف الترشح.
وينبغي لكلا البلدين أن يتذكرا أن التوازن الأصلي كان تحديدًا الحجة التي أقنعت الفيفا، إذ استغل رئيسها الفرصة لإدخال أوروغواي وباراغواي والأرجنتين، وفتح بذلك الطريق أمام السعودية لتنظيم مونديال 2034.
وفي نهاية المطاف، وكما يقول من يعرف تفاصيل هذا الملف، وليس أولئك الذين يتحدثون اعتمادًا على ما يسمعونه، «لا يتعلق الأمر بالتشكيك في حق المغرب في الدفاع عن مصالحه. لقد فعل ذلك دائمًا بحزم.
السؤال هو ما إذا كانت إسبانيا تدافع عن مصالحها بالقناعة نفسها.
فكؤوس العالم لا يفوز بها دائمًا من يرفع الكأس؛ فقد كانت الكأس الأخيرة من نصيب إسبانيا. وأحيانًا يفوز بها من ينجح، بعد انتهاء كل شيء، في جعل العالم يتذكر أن تلك الاحتفالية كانت احتفاليته. وهذه تحديدًا المعركة التي لا يستطيع رافائيل لوسان وإسبانيا تحمل خسارتها.
إنها قضية دولة».

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.