الإيطالية نيوز، السبت 8 أغسطس 2026 – تشهد إسبانيا جدلًا سياسيًا حادًا بشأن خطة للحكومة التقدمية برئاسة «بيدرو سانشيز» لاستقبال نحو 500 فتاة قاصر غير مصحوبة وصلن إلى «سبتة» في نهاية يوليو، إلى جانب عشرات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين.وترى الحكومة أنه ينبغي نقل الفتيات إلى إسبانيا القارية، نظرًا إلى أن «سبتة»، وهي جيب إسباني في المغرب تبلغ مساحته أقل من 20 كيلومترًا مربعًا، لا تملك الإمكانات اللازمة لرعايتهن. في المقابل، يعارض «حزب الشعب»المحافظ، المنتمي إلى يمين الوسط، الخطة، ويطالب بإبعاد الفتيات، متبنيًا موقفًا متشددًا يعتبر أن جميع القادمين من المغرب يجب ألا يُسمح لهم بالبقاء في إسبانيا تحت أي ظرف.
وبحسب مصادر حكومية تحدثت إلى صحيفة «إل باييس»، فإن عددًا كبيرًا من هؤلاء القاصرات مراهقات صغيرات السن أو فتيات في سن الطفولة. ولا تملك كثيرات منهن أسرة، أو ينحدرن من بيئات تتسم بالعنف، كما أنهن يرفضن العودة إلى المغرب. وهددت بعضهن بالانتحار إذا أُجبرن على العودة.
وينص القانون الإسباني على أن القاصرين غير المصحوبين يجب أن يُستقبلوا في مراكز مخصصة لهذا الغرض، وأن تُدرس طلبات اللجوء التي يتقدمون بها من أجل اتخاذ القرار الذي يحقق أفضل حماية لمصالحهم. إلا أن هذه الإجراءات تستغرق وقتًا، وخلال هذه الفترة لا تجد الفتيات في «سبتة» مكانًا مناسبًا للإقامة.
مهاجرون يصطفون للحصول على الطعام في سبتة، إسبانيا، 19 أغسطس 2026.
أزمة المهاجرين في سبتة
ومن بين عشرات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين الذين وصلوا إلى الجيب الإسباني يومي 30 و31 يوليو، على الأرجح بموافقة ضمنية من المغرب، عاد معظمهم إلى المغرب بعد فترة وجيزة.
ولا يُعرف بدقة عدد المهاجرين الذين ما زالوا في «سبتة»، بسبب انهيار قدرات مراكز الاستقبال، فضلًا عن أن معظم هؤلاء لم يخضعوا لتحديد الهوية، وهم يعيشون في الشوارع.
وقد أمرت الحكومة المركزية مؤخرًا بإنشاء مراكز استقبال جديدة، لكن من المرجح ألا تكون هذه المرافق كافية.
وكانت حكومة «مدريد» قد وجهت رسالة واضحة إلى من بقي في «سبتة» أو إلى من كان لا يزال في المغرب ويفكر في محاولة العبور مجددًا، مفادها أنه سيُعاد من حيث أتى.
وعلى الرغم من أن حكومة «سانشيز» تُعد من بين الحكومات الأوروبية الأكثر انفتاحًا على استقبال المهاجرين، فإنها كانت تأمل من خلال هذا الموقف في منع وصول موجات جديدة من المهاجرين، واحتواء الأزمة، وتجنب الظهور بمظهر المتساهل أمام ناخبين يتجهون بصورة متزايدة نحو اليمين.
عناصر من الشرطة الإسبانية يرافقون مهاجرين إلى مراكز إيواء مؤقتة في سبتة، إسبانيا، 20 أغسطس 2026.
وخلال الأسابيع الأخيرة، أرسلت الحكومة أيضًا جنودًا وعناصر شرطة إلى «سبتة» للبحث عن المهاجرين الذين بقوا هناك، وتجميعهم وإعادتهم إلى الحدود، ومن ثم إلى المغرب. لكن وضع القاصرين مختلف.
إعادة القاصرين.. إجراء سبق أن اعتبرته المحاكم غير قانوني
في سبتمبر من العام الماضي، أدانت محكمة إسبانية مسؤولتين محليتين في «سبتة»، وحكمت بحرمانهما من تولي المناصب العامة لمدة تسع سنوات، بسبب إعادتهما 55 قاصرًا إلى المغرب عام 2021، بعدما وصلوا إلى سبتة خلال آخر أزمة هجرة كبيرة. وفي تلك الحالة أيضًا، كان المغرب قد سهّل تدفق المهاجرين، في إطار استخدام ملف الهجرة أداة للضغط على الحكومة الإسبانية.
ورأى القضاة أن السلطات المحلية لم تلتزم بالإجراءات القانونية الخاصة باستقبال القاصرين، إذ قامت بإعادتهم على نحو متعجل من دون التحقق أولًا مما إذا كان أي منهم في وضع هش، أو مما إذا كانت إعادته ستلحق ضررًا بمصلحته الفضلى.
وفي يناير 2024، قضت المحكمة العليا الإسبانية أيضًا بأن عمليات الإعادة تلك كانت غير قانونية. وبالتالي، فإن إعادة القاصرين في مثل هذه الظروف تُعد مخالفة للقانون الإسباني، فضلًا عن مخالفتها للاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية القاصرين.
وذكّرت وزيرة شؤون الطفولة «سيرا ريغو» «حزب الشعب» بأن مطالبه تعني مطالبة الحكومة بارتكاب إجراء غير قانوني، واتهمت رئيس الحزب «ألبرتو نونييث فيخو» بدفع الحزب إلى الاصطفاف مع خطاب اليمين المتطرف.
فيخو يتحدث عن «غزو» و«احتلال»
وكانت تصريحات «فيخو» خلال الأيام الأخيرة شديدة اللهجة بالفعل. فإلى جانب وصفه ما يحدث بأنه «غزو» و«احتلال» للأراضي الإسبانية من جانب المهاجرين، ذهب إلى القول إن وجودهم يعرّض نساء «سبتة» للخطر، مستخدمًا خطابًا عنصريًا يقوم على افتراض ــ زائف لكنه شائع لدى أحزاب اليمين المتطرف ــ مفاده وجود علاقة بين أعداد المهاجرين وعدد حالات الاغتصاب أو التحرش.
وقال «فيخو»:“ما الذي يحدث في سبتة حتى يجعل الحكومة تعتقد أن 500 فتاة يجب أن يُرسلن إلى إسبانيا القارية؟ وماذا عن الفتيات اللواتي يعشن في سبتة وهن إسبانيات؟ من سيحميهن؟”
خطة نقل القاصرات لم تُعلن رسميًا بعد
ولم تُعلن حكومة «سانشيز» حتى الآن تفاصيل خطتها بصورة رسمية، رغم أن الصحف والسياسيين يتحدثون عنها على نطاق واسع. ومن المتوقع أن تتضمن الخطة توزيع القاصرات على مختلف الأقاليم ذات الحكم الذاتي في إسبانيا، وفقًا لما ينص عليه القانون، سواء لدى أسر أو في مؤسسات مخصصة لرعاية الأطفال.
وبحسب مصادر في الصحافة الإسبانية، تدرس وزارة شؤون الطفولة أيضًا إمكانية لمّ شمل القاصرات مع أسرهن داخل إسبانيا، حيثما كان ذلك ممكنًا.
لكن تنفيذ الخطة يتطلب تعاون إدارة «سبتة»، التي يرأسها مسؤول من «حزب الشعب» تبنى بدوره الخطاب المتشدد الذي يتبناه «فيخو» بشأن الأمن والهجرة.
أزمة القاصرين المهاجرين تتجاوز «سبتة»
ولا تُعد إدارة ملف المهاجرين في إسبانيا مشكلة جديدة، كما أنها لا تقتصر على «سبتة». فمنذ سنوات، تخوض حكومة «جزر الكناري»، الواقعة غرب المغرب، خلافات مع الحكومة المركزية حول الجهة التي ينبغي أن تتحمل مسؤولية إدارة آلاف القاصرين المهاجرين غير المصحوبين الذين وصلوا إلى الأرخبيل من دون وثائق خلال السنوات الأخيرة.
ومؤخرًا، قضت المحكمة العليا الإسبانية بأن على حكومة «مدريد» التدخل لدعم الأقاليم ذات الحكم الذاتي، التي تتمتع بصلاحيات أوسع من الأقاليم الإيطالية، ومساعدتها في التعامل مع طلبات اللجوء. وعقب الحكم، توصلت حكومة «جزر الكناري» والحكومة المركزية إلى اتفاق مهم بعد أشهر من المفاوضات.
وينص الاتفاق على إدراج المهاجرين مباشرة في نظام الاستقبال الحكومي الوطني، بما يسمح للأقاليم بتوزيع المهاجرين بصورة أكثر توازنًا، بدلًا من تحميل الأقاليم الواقعة في الخطوط الأمامية العدد الأكبر منهم، كما يتيح للمهاجرين الحصول على الوثائق بصورة أسرع.
ومن الناحية النظرية، يسير الاتفاق المقترح لاستقبال 500 فتاة قاصر وصلت إلى «سبتة»في الاتجاه نفسه؛ إذ يفترض أن يخفف عن حكومة «سبتة» مسؤولية لا تملك الموارد الكافية لتحملها بمفردها، وأن يحسن ظروف إقامة القاصرات وحمايتهن.
لكن القضية تحولت إلى محور جديد للصراع السياسي، بعدما قررت أحزاب اليمين المعارض تحويلها إلى مسألة مبدئية، بهدف التأكيد على أن أيًا من الأشخاص الذين وصلوا في نهاية يوليو لا ينبغي أن يُسمح له بدخول إسبانيا أو البقاء فيها.


شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.