الإيطالية نيوز، الاثنين 14 سبتمبر 2026 – تسعى مصر إلى تولي رئاسة مجموعة «بريكس» في المستقبل القريب، وتنظر إلى المجموعة باعتبارها أداة لتوسيع بدائلها الاقتصادية والدبلوماسية، من دون أن يعني ذلك التخلي عن علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة والمؤسسات المالية الغربية.وقد أشار الرئيس «عبد الفتاح السيسي» إلى هذا الهدف خلال القمة التي اختُتمت مؤخرًا في «نيودلهي»، وهو ما يعكس النهج المصري التقليدي القائم على البحث عن توازن في العلاقات مع شركاء مختلفين.
وقال «محمد مرعي»، المحلل السياسي في المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، لوكالة «نوفا» الإيطالية، إن انضمام مصر إلى مجموعة «بريكس»، الذي دخل حيز التنفيذ رسميًا في يناير 2024، يمكن أن يعزز قدرة القاهرة على حماية «استقلال قرارها الوطني».
وبحسب مرعي، تتمثل الفائدة الرئيسية في إمكانية تنويع مصادر التمويل والتجارة والوصول إلى التكنولوجيا وتأمين المواد الخام.
وأوضح المحلل أن «في عالم تتداخل فيه المصالح الاقتصادية وفرص الاستثمار بصورة متزايدة مع الضغوط السياسية، أصبح التنويع عنصرًا أساسيًا من عناصر قوة الدولة».
ويتوافق هذا النهج مع مبدأ «التوازن الاستراتيجي» الذي تتبعه «القاهرة»، وتسعى من خلاله إلى بناء علاقات مع القوى الكبرى من دون الانضمام إلى محاور يمكن أن تحد من هامش تحركها.
بريكس.. منصة إضافية لا بديلًا عن واشنطن
بالنسبة إلى مصر، لا تمثل «بريكس» تحالفًا بديلًا للولايات المتحدة، وإنما منصة إضافية.
وقال مرعي: «إن الدعم المصري لنظام دولي متعدد الأقطاب لا يعني بأي حال أن القاهرة تعتزم التخلي عن علاقاتها الاستراتيجية مع «واشنطن» أو التضحية بها».
وتظل العلاقات مع الولايات المتحدة محورية على المستويين العسكري والدبلوماسي، كما تظل تمويلات «صندوق النقد الدولي» والمؤسسات متعددة الأطراف الأخرى ضرورية بالنسبة إلى مصر.
وتتعلق المزايا الأكثر إلحاحًا للانضمام إلى «بريكس» بالاقتصاد. إذ تسعى القاهرة إلى جذب الاستثمارات الصناعية، وتوطين جزء من عمليات الإنتاج، واكتساب التكنولوجيا، وزيادة الصادرات، مستفيدة من قناة السويس والموانئ المطلة على البحر المتوسط والبحر الأحمر، وموقعها الجغرافي الذي يربط بين إفريقيا وآسيا وأوروبا.
ويمثل بنك التنمية الجديد قناة إضافية في هذا المجال، وهو المؤسسة المالية التي أسستها مجموعة «بريكس» لتمويل البنية التحتية ومشروعات التنمية المستدامة، وقد أصبحت مصر عضوًا فيه منذ عام 2023.
التجارة تكشف الفرص والاختلالات
غير أن نمو المبادلات التجارية يكشف في الوقت نفسه عن فرص التكامل وحدوده.
ووفقًا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر (CAPMAS)، بلغ حجم التجارة بين مصر ودول «بريكس» 36.7 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، بزيادة قدرها 25.5 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
لكن هذه الزيادة جاءت بصورة رئيسية نتيجة ارتفاع الواردات، التي قفزت بنسبة 38.1 في المئة إلى 30.1 مليار دولار، في حين تراجعت الصادرات المصرية بنسبة 11.6 في المئة لتستقر عند 6.6 مليار دولار.
وبذلك تجاوز العجز التجاري المصري مع دول المجموعة 23 مليار دولار.
وعليه، فإن عضوية «بريكس» توسع نطاق وصول مصر إلى الأسواق والموردين، لكنها لا تحل مشكلات القدرة التنافسية للصناعة المصرية، ولا تلغي الحاجة إلى زيادة الصادرات.
وقد يتيح توسيع استخدام العملات الوطنية في المبادلات التجارية خفض بعض التكاليف وتقليل الاعتماد التشغيلي على الدولار، لكنه لا يلغي الحاجة الهيكلية للاقتصاد المصري إلى العملة الصعبة.
بريكس لا تزال مكملة للقنوات المالية التقليدية
وعلى الصعيد المالي أيضًا، تمثل «بريكس» في الوقت الراهن تكاملًا مع القنوات التقليدية، وليس بديلًا عنها.
ففي يوليو الماضي، وافق «صندوق النقد الدولي» على صرف دفعات جديدة لمصر بقيمة تقارب 1.8 مليار دولار، لترتفع بذلك الموارد التي صرفها الصندوق لمصر في إطار الاتفاقات القائمة إلى نحو 7.3 مليارات دولار إجمالًا.
ولا يزال الصندوق يطالب القاهرة بالانضباط المالي، ومرونة سعر الصرف، وتنفيذ الخصخصة، وتقليص دور الدولة في الاقتصاد.
كما تواجه المجموعة نفسها قيودًا سياسية ومؤسسية. فهي تضم دولًا ذات مصالح استراتيجية متباينة في كثير من الأحيان، وتتخذ قراراتها بالتوافق.
وتنظر الصين وروسيا إلى «بريكس» عمومًا باعتبارها قوة موازنة للنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، في حين تعطي دول أخرى الأولوية للتعاون الاقتصادي وإصلاح المؤسسات الدولية، من دون السعي إلى القطيعة مع الغرب.
ويزيد هذا التنوع من الوزن الإجمالي للمجموعة، لكنه قد يبطئ في الوقت نفسه قدرتها على اتخاذ قرارات عملية وتنفيذية.
مساحة أكبر للتحرك في أزمات الشرق الأوسط
وبحسب مرعي، فإن وجود مصر داخل «بريكس» يمنحها مع ذلك مساحة أكبر للتنسيق مع القوى الصاعدة بشأن أزمات الشرق الأوسط، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وأظهرت الحرب التي انخرطت فيها الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وما ترتب عليها من تداعيات على الملاحة في «مضيق هرمز»، بحسب المحلل، كيف يمكن للصراعات الإقليمية أن تفرض تكاليف فورية على الطاقة والتجارة والمالية في الدول المستوردة.
وخلال قمة نيودلهي، تمكن أعضاء «بريكس» من اعتماد بيان مشترك يدعو إلى ضبط النفس وإيجاد حلول دبلوماسية للأزمات الإقليمية، مع تجنب القضايا التي لا تزال تشهد انقسامات أعمق بين أعضاء المجموعة. ومن المقرر أن تنتقل رئاسة المجموعة إلى الصين في عام 2027.
وقد أعرب الرئيس «عبد الفتاح السيسي» عن تطلع مصر إلى تولي قيادة «بريكس» «في المستقبل القريب»، إلا أنه لم يتم حتى الآن تحديد جدول زمني لذلك.
شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.