الإيطالية نيوز، الأحد 6 سبتمبر 2026 – وصلت تداعيات قضية «إبستين» أخيرًا إلى إيطاليا. فقد فتحت نيابة «روما» ملفًّا للتحقيق في شبهة ارتكاب جرائم عنف جنسي، وأرسلت إلى الولايات المتحدة طلب مساعدة قضائية للحصول على الأرشيفات التي نُشرت والوثائق التي لا تزال سرِّية.ويجري التحقيق، الذي يشرف عليه المدَّعي العام المساعد «ماوريتسيو أَرْكُري»، في الوقت الراهن ضدَّ مجهولين، إذ لا يوجد أي إيطالي قيد التحقيق رسميًا. لكن الهدف من التحقيق قد يكون بالغ الأهمية، ويتمثَّل في التحقق ممَّا إذا كانت شبكة الاتصالات والرَّحلات والإقامات التي ربطت الملياردير المالي الأميركي «جيفري إبستين» بإيطاليا تخفي وراءها أعمال إساءة واستغلال جنسي يمكن للسُّلطات القضائية الإيطالية ملاحقتها.
وقد تتحوَّل الأسماء التي ظلًّت حتَّى الآن تتردَّد في الملفَّات إلى موضوع للتحقيق القضائي.
ولا يعود فتح هذا الملف إلى التصريحات الأخيرة للنائب الأميركي «توماس ماسي»، الذي أشار إلى 14 شخصًا بوصفهم «متآمرين مشاركين» مزعومين مع «إبستين»، ومن بينهم «إدواردو تيودوراني-فابري» و«إلبو إلكان»، وإنَّما جاء نتيجة شكوى أودعتها في 26 مارس جمعية «ديفِّيرينتسا دضونَّا»، وقدَّمتها المحاميتان «تيريزا مانينتي» و«إيلاريا بويانو».
On the House floor tonight, I read the names of several Epstein coconspirators who should be investigated and prosecuted.
— Thomas Massie (@RepThomasMassie) August 31, 2026
I also began collecting 218 signatures for the discharge petition to force a vote on Epstein Files Transparency Act II. pic.twitter.com/fgpebvxNpP
وطالبت الشكوى بالتحقُّق من احتمال وقوع جرائم عابرة للحدود، تشمل الاتِّجار بالبشر والعنف والاستغلال الجنسي للنساء والقاصرات، ارتكبها إيطاليون أو كانت لها صلة بالأراضي الإيطالية.
وكان طلب المساعدة القضائية قد أُرسل إلى الولايات المتحدة قبل عدة أشهر. وأرفقت الجمعية بالشكوى البيانات المتكرِّرة المستخرَجة من قاعدة بيانات وزارة العدل الأمريكية؛ إذ ورد اسم «روما» 3593 مرة، وجزيرة «كابري» 253 مرَّة، والساحل السياحي «أمالفي» 44 مرَّة، وجزيرة «إيسكيا» 12 مرَّة، وساحل «كوستا زميرالدا» ثلاث مرَّات.
كما توثِّق رسالة إلكترونية تحمل عنوان «رحلة إلى سردينيا!» حجوزات وتنقُّلات أفراد من الدائرة المحيطة بِـ«إبستين»، في حين تشير مراجع أخرى إلى «ميلانو» وإلى تدفُّقات مالية محتملة.
ولا تثبت هذه الحضور والارتباطات، في هذه المرحلة، وقوع أي جرائم، لكنها ترسم خريطة جغرافية يتعيَّن على المحققين تحويلها إلى وقائع محددة: من كان موجودًا وأين؟ ومع من؟ والأهم، هل كانت هناك ضحايا؟
ويظهر الإيطاليون الواردة أسماؤهم في ملفات «إبستين» التي نُشرت في 30 يناير الماضي بصفات ودرجات مختلفة للغاية من القرب من الممول الأميركي.
فقد وردت أسماء «جوزيبي كونتي»، و«سيلفيو برلسكوني»، و«ماريو دراغي»، و«بيبّي غريلّو»، و«ماتٍّيو سالفيني» في مراسلات سياسية ضمن المراسلات الكثيفة مع «ستيف بانّون»، من دون وجود صلات بأعمال الإساءة. أما «رولا جبريل»، فتظهر بصورة أساسية في قوائم المدعوين إلى فعاليات ثقافية.
ويظهر «فلافيو برياتوري» في «الدفتر الأسود الصغير»، ويصفه «إبستين» بأنه «صديق إيطالي»، فيما يقول «برياتوري» إنه التقى «إبستين» مرة واحدة فقط.
أما العلاقة مع «إدواردو تيودوراني-فابري» فتبدو أكثر تواترًا بكثير؛ إذ توثِّق الوثائق مراسلات امتدَّت لفترة طويلة، ولقاءات ورحلات ورسائل كان يصف فيها «إبستين» بأنه «السيد»، فضلًا عن إشارات جنسية فجَّة ومراسلات بشأن نادي «إيه سي ميلان» باعتباره استثمارًا محتملًا.
أما «لابو إلكان»، فيقول إنه التقى الممول الأميركي مرَّتين فقط، في مناسبتين عامتين، وينفي وجود مراسلات مباشرة بينهما.
وفي عام 2014، طلب «أوغو بْراكيتّي بيريتّي» من «إبستين» البحث عن مستثمرين لشراء حصة في شركة «أبي» (Api). وخلال المراسلات ذاتها، طلب الممول معلومات عن عارضة الأزياء «كيارا باسكيتّي»، التي كان قد طلب معلومات عنها بالفعل من «تيودوراني-فابري».
ويظهر «باولو تزامبولّي»، مؤسِّس وكالة «آي دي مودلز» والممثل الأميركي الخاص الحالي للشراكات العالمية، في الوثائق 18 مرَّة.
أما خبير الأمن السيبراني، «فينتشنسو إيوتسو»، فيتكرَّر اسمه مئات المرَّات، وقد جرى الرَّبط بينه، من دون تأكيد، وبين «القرصان الإلكتروني الشخصي» الإيطالي الذي ورد ذكره في وثائق مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي. إلا أن «إيوتسو» نفى أن يكون قد أدَّى هذا الدور أو شهد أنشطة غير قانونية.
أما «نيكولا كابوتو» المذكور في الوثائق، فيُعتقد أنه شخص يحمل الاسم نفسه وليس النائب الأوروبي السابق.
ولا تزال هوية المرأة التي كانت توقِّع رسائلها عام 2015 بعبارة «حبيبتك الإيطالية المجنونة» مجهولة.
وتخلط الوثائق بين مجرد الإشارات إلى أشخاص، والعلاقات المهنية، والاختلاط في الأوساط الاجتماعية، والعلاقات الأكثر قربًا؛ فهي ليست قائمة بأشخاص مذنبين، بل خريطة لا تزال بحاجة إلى فك رموزها.
وكانت عدة دول أوروبية، بينها فرنسا وبولندا وإسبانيا وألمانيا والنرويج، قد فتحت بالفعل تحقيقات بشأن الصلات بالممول الأميركي. والآن، تسلك «روما» المسار الأوروبي نفسه.
وبحسب جمعية «ديفيرينتسا ضونَّا»، فإنَّ إيطاليا «لا يمكنها أن تبقى مكتوفة الأيدي أمام عناصر وثائقية منشورة للعامة تتعلَّق بها مباشرة». وتفرض الطبيعة العابرة للحدود للقضية التحقُّق ممَّا إذا كان نظام الاستغلال الجنسي قد امتدَّ عبر عدة دول، وما الدور الذي ربما تكون إيطاليا قد اضطلعت به.
كما تناول القضية عضو البرلمان الأوروبي عن حزب «إخوة إيطاليا»، «باولو إنسلفيني»، المنتمي إلى مجموعة المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين، إذ طالب «المفوضية الأوروبية» بتوضيح ما إذا كانت لديها معرفة بصلات محتملة بأشخاص أو شركات تعمل داخل «الاتحاد الأوروبي»، وما الأدوات التي يمكنها توفيرها للسُّلطات الوطنية.
وبذلك، تنضمُّ إيطاليا إلى الدول التي قرَّرت التعمُّق في قضية تمكَّنت من الوصول إلى شخصيات بارزة، وأطاحت حتَّى بالأمير أندرو السابق، شقيق الملك «تشارلز الثالث».
وتصف جمعية «ديفيرينتسا ضونَّا» فتح المسار القضائي في «روما» بأنه «خطوة مهمَّة»، مؤكِّدةً أن أي وقائع تكون قد حدثت في إيطاليا ينبغي إعادة بنائها مع حماية النساء والفتيات المعنيات، وكشف طبيعة شبكة النفوذ التي أحاطت بِـ «إبستين».
لكن الجمعية تشدِّد في الوقت نفسه على تمييز أساسي: مجرَّد ظهور اسم شخص في الوثائق أو معرفته بالممول الأميركي لا يشكل في حد ذاته دليلًا على مسؤوليته الجنائية.
ومن المفترض أن يوفٍّر طلب المساعدة القضائية ما ينقص التحقيق من عناصر، بما في ذلك وثائق مكتب التحقيقات الفيدرالي، والشهادات، والوثائق المحجوبة التي يمكن أن تربط بين الأشخاص والأماكن والأفعال.
وسيكون من الضروري بعد ذلك تحديد هويَّة الضحايا المحتملين، والتحقُّق من الاختصاص القضائي، وتقادم الجرائم، وأعمار الأشخاص المعنيين وقت وقوع الأحداث، ومكان ارتكاب الجرائم المزعومة.
وليس من المؤكَّد أن تسفر التحقيقات عن اتٍّهامات جنائية، إلَّا أنَّها تمثِّل المرَّة الأولى التي يجري فيها التعامل مع المسار الإيطالي في قضية «إبستين» باستخدام أدوات قضائية.
ولن يكون التحقيق مفيدًا إلا إذا نجح في تبديد الضباب المحيط بالقضية من دون أن يتحوَّل إلى حملة تشهير بالأسماء، أو إلى ملف قضائي آخر ينتهي إلى التلاشي دون نتائج.
شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.