ويهدف المنتدى، الذي تأسس عام 2015 ووصل هذا العام إلى دورته الحادية عشرة، إلى تشجيع الاستثمارات الأجنبية في أقصى شرق روسيا. وحمل المنتدى في نسخته الحالية شعار: «الشرق الأقصى: التنمية لصالح الناس».
وأسفر المنتدى عن توقيع 318 اتفاقًا تجاريًا بقيمة تقارب 81 مليار دولار، إلا أن الأهم كان توقيع اتفاق ينص على استثمار تريليون روبل لتطوير مسارات القطب الشمالي المستقبلية، ولا سيما ممر النقل عبر القطب الشمالي.
المنتدى الاقتصادي الشرقي يتجاوز في أهدافه بكثير مجرد التنمية الاقتصادية المحلية، إذ تحول إلى منصة لتوسيع التعاون التجاري بين دول منطقة آسيا والمحيط الهادئ، ورسم مسارات تجارية استراتيجية جديدة في القطب الشمالي، بوصفها بديلًا عن طرق النقل «التقليدية» التي تعطلت أو تباطأت بسبب الحرب في الشرق الأوسط.
كما يتيح تطوير هذه المنطقة لموسكو موازنة تأثير العقوبات الأوروبية والأمريكية. وعلى الرغم من أن وسائل الإعلام الغربية اختزلت كلمة «بوتين» أمام المنتدى في قضايا الحرب في أوكرانيا والعلاقات مع الغرب، فإن الرئيس الروسي خصص حيزًا محدودًا جدًا لهذه المسألة، وركز بدلًا من ذلك على طرق التجارة والاستثمارات التي يمكن أن تعيد رسم موازين التجارة الدولية في المستقبل المنظور، مع عدم إغفال الصعوبات التي تواجهها «موسكو» بسبب الحرب مع «كييف».
ومن بين هذه الصعوبات انخفاض القدرة على تكرير النفط نتيجة الهجمات الأوكرانية، وما ترتب على ذلك من نقص في الوقود، فضلًا عن تعليق الرحلات الجوية بين تركيا وروسيا، وهو القرار الذي اتخذته شركة الخطوط الجوية التركية.
وقال نائب رئيس الوزراء الروسي والمبعوث الرئاسي المفوض إلى دائرة الشرق الأقصى الفيدرالية، «يوري تروتنيف»: “شارك أكثر من 7 آلاف شخص من 78 دولة في المنتدى على مدى ثلاثة أيام. وكانت أكبر الوفود قادمة من الصين وإندونيسيا واليابان وفيتنام وجمهورية كوريا والهند وميانمار.”
وشارك في المنتدى 2400 ممثل لشركات روسية وأجنبية، يمثلون أكثر من ألف شركة، إلى جانب 15 رئيسًا لبعثات دبلوماسية، وتسعة وزراء روس، و10 رؤساء لهيئات ووكالات اتحادية، و13 رئيسًا لمناطق روسية.
وتتعلق أبرز الاتفاقات بإنشاء ممر النقل الدولي «موخه-نايبا» في «ياقوتيا»، وتنفيذ مشروع شامل للتنمية في القطب الشمالي، إلى جانب إنشاء ممر النقل عبر القطب الشمالي. وقال «تروتنيف»: “ستؤثر هذه المشاريع في مجمل عملية التنمية في الشرق الأقصى.”
ويتطلب إنشاء ممر النقل عبر القطب الشمالي استثمارات تُقدَّر بنحو تريليون روبل، أي ما يعادل 11.5 مليار دولار. ولهذا الغرض، وُقعت خلال المنتدى مذكرة تفاهم بين مؤسسة تنمية الشرق الأقصى والقطب الشمالي، ومجموعة VIS، ومؤسسة «كريستال أوف غروث».
وقال وزير تنمية الشرق الأقصى والقطب الشمالي الروسي «أليكسي تشيكونكوف»: “سترتبط جميع مشاريع البنية التحتية الكبرى مستقبلًا، بطريقة أو بأخرى، بممر النقل عبر القطب الشمالي، لأنه لا يمثل مجرد طريق يمتد من كالينينغراد ومورمانسك إلى فلاديفوستوك وشنغهاي، بل هو شريان حقيقي يربط بين المحيطين الأطلسي والهادئ.”
وتبدي الصين أيضًا اهتمامًا كبيرًا بتطوير البنية التحتية في منطقة القطب الشمالي. ووفقًا لنائب رئيس الوزراء الروسي «ألكسندر نوفاك»، فإن الشركات الصينية تشارك في مشاريع روسية مهمة في المنطقة القطبية، لا سيما أن إمدادات الغاز الطبيعي المسال من روسيا إلى الصين زادت بأكثر من 50 ضعفًا خلال العقد الماضي.
غير أن هذا ليس السبب الوحيد؛ إذ تبحث الصين عن طرق بديلة للممرات التي أصبحت أكثر اضطرابًا، ومنها «مضيق هرمز» و«قناة السويس» و«مضيق باب المندب». وفي هذا السياق، بدأت «بكين» رسميًا نقل البضائع عبر طريق البحر الشمالي شديد البرودة (NSR).
ويندرج في الإطار ذاته المشروع المشترك للغاز الطبيعي المسال الذي تطوره روسيا والصين في القطب الشمالي، لاستخراج الغاز وتسييله في المنطقة.
كما جرى الترويج لمشروع ممر اقتصادي يربط روسيا ومنغوليا والصين، بهدف زيادة حجم التبادل التجاري بين الدول الثلاث، وتقليص أوقات النقل وتكاليفه. غير أن دول منطقة آسيا والمحيط الهادئ ليست الأطراف الوحيدة المنخرطة في مشاريع التعاون التجاري التي تروج لها روسيا.
فوفقًا لِـ«أنطون كوبيكوف»، مستشار الرئيس الروسي والأمين التنفيذي للجنة المنظمة لمنتدى الشرق الاقتصادي، لا تزال أكثر من 300 شركة أميركية تعمل في روسيا رغم الحظر الذي فرضته واشنطن.
وقال «كوبيكوف»: “لا أحد يريد الرحيل. الجميع يدرك قيمة قنوات الاتصال هذه ومصالحه التجارية”، مضيفًا أن بعض الشركات الأوروبية تعرضت بالفعل لـ“ضغوط كبيرة من حكوماتها في محاولة لمنعها من التعاون معنا.”
وفيما يتعلق بالحرب في أوكرانيا، قال «بوتين» إن هناك إمكانية للتوصل إلى حل للنزاع، لكنه وصف الهجوم على السفن التجارية المدنية والتهديدات بشن هجمات على طائرات مدنية بأنها «مظهر من مظاهر إرهاب الدولة». وأضاف أن هذه التطورات “تعقّد بلا شك آفاق إجراء محادثات سلام ثنائية.”
وهكذا، وبينما تواصل «موسكو» التأكيد على استعدادها للتوصل إلى حل دبلوماسي للحرب، فإنها تنظر في الوقت نفسه إلى مستقبل التجارة وطرق الملاحة العالمية في ظل سيناريو محتمل لنظام دولي متعدد الأقطاب، مع توجيه اهتمامها واستثماراتها بصورة متزايدة نحو القطب الصاعد في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.