أولًا: جيل زد وموجة الاحتجاجات العالمية
سأتناول في هذا المقال نحو اثنتي عشرة حالة من الاحتجاجات التي شهدتها حركة «جيل زد»، أي الفئة العمرية الممتدة من 14 إلى 29 عامًا، سواء كانت هذه الاحتجاجات منظمة أم عفوية. وعلى الرغم من أن كثيرًا من الحركات الاحتجاجية التي شارك فيها هذا الجيل جرت في دول مختلفة، فإن مطلبه الأساسي ظل، قبل أي مطلب آخر، هو التنديد بالفساد والمحسوبية وإساءة استخدام السلطة.
وسأضع نصب عيني دائمًا حقيقة مفادها أنه إذا كان من الصعب إشعال غضب الحشود، فمن السهل جدًا تحويل هذا الغضب عن هدفه الأصلي. ولذلك، تبدأ هذه الاحتجاجات عادةً بدافع المصلحة العامة، لكنها قد تنحرف عن مسارها في أثناء الطريق.
وتتمثل السمة الأولى المشتركة بين هذه الحركات في أن اندلاعها جاء، في جميع الحالات، عقب فضائح فساد أو ممارسات قمعية. فلم يرفع المتظاهرون راية أيديولوجيا سياسية بعينها، بقدر ما عبّروا، في المقام الأول، عن مطلب واضح: تحقيق العدالة.
1. منغوليا
في 11 يناير 2025، خرج شبان في العاصمة «أولان باتور» للاحتجاج على نمط الحياة الباذخ الذي تعيشه أسرة رئيس الوزراء، «لوفسان نامسراي أويون-إرديني».
وسرعان ما اتسعت دائرة الاحتجاجات لتشمل الفساد داخل الطبقة السياسية بأكملها، مع المطالبة باستقالة 33 نائبًا في البرلمان.
وفي نهاية المطاف، اضطر رئيس الوزراء إلى الاستقالة في 3 يونيو من العام نفسه.
2. إندونيسيا
في فبراير 2025، اندلعت احتجاجات في جزيرة «جاوة» ضد الفساد، ثم ازدادت حدتها بعدما انخرط اتحاد طلابي في الحراك، إثر إشراك الحكومة الجامعات في مشروعات التعدين مقابل توفير وجبات مجانية لجميع الطلاب.
وبدأت الاحتجاجات تتصاعد في مختلف أنحاء البلاد، في وقت كانت فيه الحكومة تمنح امتيازات واسعة للمؤسسة العسكرية، وتؤيد ما وصفته بـ«نقل» سكان غزة، معلنةً إمكانية نقلهم إلى ما أسمته «أكبر دولة إسلامية في العالم».
وفي أغسطس، تجددت الاحتجاجات بدعوة من سائقي الشاحنات، على خلفية زيادات ضريبية كبيرة.
وفي هذه المرحلة، ظهر علم القراصنة الخاص بطاقم «قبعة القش» في سلسلة «المانغا» اليابانية «ون بيس»، ليصبح رمزًا لمقاومة الفساد. بل إن رفع هذا العلم أصبح سببًا محتملًا للملاحقة الجنائية بتهمة الخيانة.
وفي نهاية المطاف، أقر الرئيس «برابوو سوبيانتو» بحق الشباب في التظاهر، وألغى العقوبات المفروضة على رفع علم القراصنة.
3. توغو
في 26 يونيو 2025، اندلعت الاحتجاجات عقب اعتقال مغني الراب «آمـرون» وتعذيبه على يد الشرطة.
وسرعان ما اكتسبت الاحتجاجات طابعًا سياسيًا، لا سيما بعدما صوّر عناصر الشرطة عملية التعذيب المطوّلة، في وقت كان فيه الرئيس «فور غناسينغبي» يعمل على تغيير النظام السياسي من خلال تعديل الدستور.
واستمر الحراك حتى ديسمبر، قبل أن يتراجع زخمه تحت وطأة القمع العنيف، الذي أفضى في كثير من الأحيان إلى سقوط قتلى.
4. نيبال
بين 8 و14 سبتمبر 2025، خرج شبان في العاصمة «كاتماندو» احتجاجًا على أبناء المسؤولين السياسيين وأقاربهم، الذين يستعرضون حياة الترف والبذخ على شبكات التواصل الاجتماعي.
وردّت السلطات بحجب منصات التواصل الاجتماعي، غير أن هذا الإجراء أتى بنتيجة عكسية، وزاد من حدة الاحتقان بدلًا من احتوائه.
وفي نهاية المطاف، اضطر رئيس الوزراء «خادغا براساد شارما أولي» إلى الاستقالة.
5. تيمور الشرقية
بين 15 و17 سبتمبر 2025، نظّم اتحاد طلابي احتجاجات في العاصمة «ديلي»، رفضًا للامتيازات الاقتصادية الممنوحة لأعضاء البرلمان.
وانتهى الأمر بإجبار النواب على التخلي عن السيارات الفاخرة التي كانوا قد طلبوا شراءها.
6. الفلبين
في 21 سبتمبر 2025، تظاهر نحو 100 ألف شاب في العاصمة «مانيلا»، احتجاجًا على فساد العائلات النافذة التي تتناوب على السلطة، وفي مقدمتها عائلتا «ماركوس» و«دوتيرتي».
وجاءت هذه الاحتجاجات وسط اتهامات باختفاء نحو %70 من الأموال المخصصة لمكافحة الفيضانات.
7. مدغشقر
في سبتمبر 2025، اندلعت احتجاجات في مدغشقر بسبب غياب التوزيع العادل لثمار النمو الاقتصادي.
وجاء ذلك عقب خطاب للرئيس «أندري راجولينا» أشاد فيه بالتقدم الاقتصادي الذي حققته البلاد، بينما لم يلمس المواطنون أي تحسن ملموس في حياتهم اليومية.
ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، انتهى المشهد بانقلاب عسكري وفرار الرئيس «أندري راجولينا» من البلاد.
8. المغرب
في 27 سبتمبر 2025، خرج نحو 200 ألف شاب في احتجاجات اتسمت بالفوضى في المدن المغربية الكبرى، تنديدًا بالفساد والمحسوبية.
وجاء الحراك في وقت كانت فيه الدولة تخصص مبالغ ضخمة للتحضير لاستضافة كأس العالم لكرة القدم، بينما كانت المستشفيات تعاني التدهور والإهمال.
لكن الحركة الاحتجاجية توقفت تحت ضغط القمع.
9. باراغواي
في 28 سبتمبر 2025، بدأت احتجاجات شبابية رفضًا للفساد ومحاولة تعديل الدستور بما يسمح للرئيس السابق «هوراسيو كارتيس»، وهو شخصية مرتبطة بعالم الجريمة المنظمة، بالعودة إلى السلطة.
وانضم السكان الأصليون إلى «حركة جيل زد» بعدما علموا بقرار نقل مقر «المعهد الباراغواياني لشؤون السكان الأصليين» (INDI) إلى قاعدة عسكرية.
وتوقفت الاحتجاجات في 3 أكتوبر، عقب إلغاء الرئيس «سانتياغو بينيا» ذلك القرار.
10. المكسيك
في 15 نوفمبر 2025، خرج عشرات الآلاف من الشباب إلى الشوارع، عقب اغتيال أحد رؤساء البلديات على يد إحدى عصابات المخدرات، مطالبين بتوفير الأمن ومكافحة الفساد. غير أن الاحتجاجات توقفت في منتصف ديسمبر، من دون التوصل إلى حل للمشكلات التي فجّرتها.
11. بلغاريا
في 26 نوفمبر 2025، اندلعت احتجاجات شبابية رفضًا لمشروع الموازنة الذي كان ينقل عبء تمويل المعاشات التقاعدية والضمان الاجتماعي من الشركات إلى الضرائب، فضلًا عن الاعتراض على الفساد.
واستمرت الاحتجاجات شهرًا كاملًا، ولم تتوقف إلا بعد استقالة حكومة «روزن جيليازكوف» وسحب الإصلاح المقترح.
12. اليابان
في 3 مايو 2025، تظاهر نحو 50 ألف شاب احتجاجًا على إعادة عسكرة بلادهم، مستخدمين العصي المضيئة التي تُستعمل عادةً في حفلات موسيقى «الكيبوب».
وهنا، لا بد من الإشارة إلى أوجه الشبه بين هذا الأسلوب الاحتجاجي وبعض التحركات التي شهدتها كوريا الجنوبية خلال محاولة فرض الأحكام العرفية. وسرعان ما امتدت الاحتجاجات إلى مناطق مختلفة من اليابان، قبل أن تخمد بفعل الإنهاك وتراجع الزخم.
13. الهند
في 15 مايو 2026، شبّه رئيس المحكمة العليا الشباب العاطلين عن العمل بالصراصير. وعلى إثر ذلك، أسس طالب شاب يدرس الاتصال والإعلام ما أطلق عليه «حزب الشعب للصراصير»، ونظّم احتجاجات استمرت إلى أن استقال وزير التعليم.
وفي أكتوبر، عاد الحراك إلى الواجهة احتجاجًا على إصلاح قوائم الناخبين، الذي يرى المحتجون أن آلياته تستبعد أفقر الهنود من العملية الانتخابية.
ولا تزال الحركة مستمرة، رغم سجن قائدها.
ثانيًا: احتجاجات 17 أكتوبر في فرنسا
ابتداءً من 18 سبتمبر 2026، خرج طلاب المدارس الثانوية في احتجاجات بدأت في مدينة «كريتاي»، ثم امتدت إلى مختلف أنحاء إقليم «إيل دو فرانس»، قبل أن تشمل البلاد بأكملها، وذلك اعتراضًا على ظروف الدراسة. وسرعان ما انضم إليهم طلاب الجامعات، ثم لحقت بهم، بعد فترة وجيزة، النقابات العاملة في القطاع العام.
كانت المظاهرات الأولى سلمية، لكن بوادر الانفلات بدأت تظهر بعدما أعلن منتخبون من اليسار أن اللجوء إلى العنف أمر مشروع. وعندئذ، انضمت مجموعات من مخربي الممتلكات إلى طلاب المدارس والجامعات، ما تسبب في أضرار واسعة داخل المؤسسات التعليمية.
وفي خضم هذه التطورات، بدأ عناصر الشرطة يتساءلون عن طبيعة الأوامر التي يتلقونها، إذ كانت التعليمات الصادرة إليهم متناقضة، على نحو لا يسمح لهم بحماية المتظاهرين، ويتركهم عرضة لمواجهة مجموعات التخريب. وأُعلن عن تنظيم مظاهرات على المستوى الوطني في 17 أكتوبر.
وفي هذه المرحلة، انضمت إلى الحراك حركة «السترات الصفراء»، وهي الحركة الشعبية غير المنظمة التي ظهرت في عامي 2018 و2019 احتجاجًا على أسعار الوقود، ودفاعًا عن سكان المناطق الفرنسية المهمشة والمحيطية. وكان هدفها هذه المرة مواصلة النضال ضد غلاء المعيشة.
ورغم السمعة التي تتمتع بها أجهزة الشرطة الإقليمية من حيث دقة التقديرات، فإنها قللت من حجم الحشود، إذ توقعت ألا يتجاوز عدد المتظاهرين 150 ألفًا، بينما تراوح العدد الفعلي بين 550 ألفًا و800 ألف متظاهر.
وحرصت قيادة الشرطة على ألا تُجهَّز وحدات حفظ النظام إلا وفق التقديرات المعلنة، كما عملت على إبقاء مخزون الغاز المسيل للدموع وقنابل تفريق الحشود عند الحد الأدنى. وفي الوقت نفسه، نقلت مجموعات «الكتل السوداء» الأوروبية آلاف النشطاء إلى فرنسا، معظمهم من إيطاليا وسويسرا وألمانيا وبلجيكا.
وفي 17 أكتوبر، اندلعت المواجهات قبل منتصف النهار، ولم تنتهِ إلا في الساعات الأولى من صباح 18 أكتوبر. وعجزت الشرطة، تحت ضغط الأحداث، عن حماية الأشخاص والممتلكات، باستثناء قصر الإليزيه، مقر الرئاسة الفرنسية.
وأُصيب أكثر من 600 شرطي ودركي، في حين لم يُحال إلى القضاء سوى 26 شخصًا. كما دُمّر نحو 1500 متجر، وأُضرمت النيران في مبانٍ تاريخية، وقدّرت الخسائر بمئات الملايين من اليوروهات.
ثالثًا: قراءة تحليلية — من الاحتجاج الاجتماعي إلى احتمال التوظيف السياسي
لم يكن هناك حدث بعينه أشعل احتجاجات طلاب المدارس الثانوية؛ بل إن الأمر يتعلق بحالة عامة من السخط المتراكم، ناجمة عن شعور جيل كامل بأنه متروك لمصيره.
إنه جيل يُقال له إن عليه الاكتفاء بمبانٍ مدرسية سيئة العزل، يعاني داخلها الحر الشديد صيفًا والبرد شتاءً؛ وإن عليه ألا يتوقع وجود المدرسين كلما مرض أحدهم؛ وإنه، على أي حال، لن يجد عملًا في المستقبل، لأن الذكاء الاصطناعي سيحل محله. ومع ذلك، يُطلب من هذا الجيل أن يتحمل سداد الدين العام والفوائد المترتبة عليه، وهي ديون راكمها آباؤه.
في البداية، حاول حزب سياسي يساري استثمار هذه الاحتجاجات وتوظيفها لمصلحته، من خلال نشر أنصاره عند مخارج المدارس الثانوية.
لكن المشهد تغيّر بالكامل في 17 أكتوبر. فمن الواضح أن مسؤولين داخل القيادة الشرطية بذلوا جهودًا أدت إلى انزلاق المظاهرات نحو الفوضى، متجاهلين سلامة المتظاهرين، بل وسلامة مرؤوسيهم من عناصر الشرطة أنفسهم.
وفي هذا السياق، أُذَكِّر بواقعة يعتبرها غير مسبوقة، تتمثل في تقديم نقابة الشرطة الرئيسية «أليانس» شكوى ضد مجهول في 14 أكتوبر، بتهمة «تعريض حياة الآخرين للخطر». وإن النقابة تجمع شهادات من مختلف أنحاء البلاد بهدف تحديد هوية الضباط الذين يعتقد أنهم خططوا للفوضى.
ومن هنا، أطرح السؤال نفسه الذي يقول إن بعض عناصر الشرطة يطرحونه: ما الذي يسعى إليه المسؤولون الخفيون عن أعمال العنف هذه؟
وأرجح أن يكون هؤلاء بصدد الإعداد لعملية تهدف إلى تعطيل الانتخابات الرئاسية المقررة في 18 أبريل و2 مايو 2027. ومن المحتمل أن يكون هؤلاء المسؤولون داخل فرنسا، ولا أستبعد أن يكونوا في الخارج أيضًا، لأن مشاركة مجموعات «الكتل السوداء» الأوروبية تعزز هذا الاحتمال.
هل يعيد التاريخ نفسه قبيل الانتخابات الرئاسية؟
بعد إذنكم، دعوني أستحضر ثلاث محطات سياسية من تاريخ فرنسا الحديث بشأن احتمال توظيف الاضطرابات للتأثير في الاستحقاق الرئاسي المقبل.
المحطة الأولى: عام 2011
كيف يمكن نسيان أن «دومينيك ستروس كان»، الذي كان يتصدر استطلاعات الرأي بشأن الانتخابات الرئاسية، اعتُقل في «نيويورك» بتهمة الاغتصاب على يد الشرطة المحلية، بمساعدة من وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاغون»، الأمر الذي مهّد الطريق لفوز «صديقه» «فرانسوا هولاند»؟
المحطة الثانية: عام 2017
كيف يمكن نسيان أن «فرانسوا فيون»، الذي كان يتصدر استطلاعات الرأي بشأن الانتخابات الرئاسية، واجه اتهامات بتوظيف زوجته مساعدةً برلمانية من دون أن تؤدي عملًا فعليًا في «الجمعية الوطنية»، وهو ما فتح الطريق أمام فوز مرشح آخر هو «إيمانويل ماكرون»؟
المحطة الثالثة: عام 2027
ثم، هل يمكن أن تُدان «مارين لوبان»، التي تتصدر استطلاعات الرأي بشأن الانتخابات الرئاسية المقبلة، قضائيًا، وأن تُحرم من حقوقها المدنية والسياسية؟
أم يمكن أن تتطور الأوضاع إلى درجة تستدعي وضع البلاد تحت ما يُعرف بـ«حالة الطوارئ»، أو حتى تحت نظام «حالة التأهب للأمن القومي»، وفق الآلية الجديدة التي أُدخلت بموجب قانون 16 أغسطس 2026؟
إنها أسئلة أطرحها في سياق تحذير من احتمال تداخل الاضطرابات الاجتماعية مع الحسابات السياسية والأمنية السابقة للانتخابات.
رابعًا: خطاب «ماكرون» وما بعد الاحتجاجات
في اليوم التالي مباشرةً، وجّه الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون» خطابًا إلى الأمة، قدّم فيه حصيلة موجزة لأحداث يوم التخريب والدمار. وخلص إلى أن الفرنسيين عاجزون عن مواجهة أعمال العنف هذه. ثم اختتم خطابه بالتأكيد على ضرورة استعادة النظام، حتى يتسنى إجراء الانتخابات في موعدها.
وهنا تبرز المفارقة التي أريد لفت الانتباه إليها: فبعد احتجاجات بدأت بمطالب اجتماعية مرتبطة بالتعليم وظروف الحياة والشعور بالتهميش، انتهى النقاش إلى مسألة استعادة النظام وضمان إجراء الانتخابات.

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.