وفي إيطاليا، يعارض أكثر من %60 من المواطنين الذين شملهم استطلاع مخصَّص لهذا الغرض مواصلة دعم أوكرانيا عبر إرسال الأسلحة إليها. فهل أصغى أحد في معسكر المعارضة الواسع، الذي يصمّ الآذان فيه ضجيج المرشَّح الغائب والجدل الدائر حول إجراء الانتخابات التمهيدية أو عدم إجرائها، إلى هذه الأصوات؟ لا أعتقد ذلك.
«ترامب» لم يتغيَّر قط؛ فقد ظلَّ كما هو. وهو يُحوِّل الولايات المتحدة إلى دولة بوليسية، ويستخدم «جهاز الهجرة والجمارك» الأمريكي (ICE) قوَّةً شرطية خاصَّة تقمع مواطنيه وتقتلهم. وعلى الساحة الدولية، يتصرَّف باستعلاء ويفرض العقوبات ويطلق التهديدات، ويحمي مجرمين أدانتهم «المحكمة الجنائية الدولية»، التي يرغب هو في فرض عقوبات عليها، من دون أن يتَّضح على أي أساس قانوني يستند. يشنّ الحروب، ثم يطالب بِـ«جائزة نوبل للسلام».
وسط فوضى القرارات المتهوِّرة، التي تلحق الضرر أحيانًا بصاحبها، وتقلُّبات المِزاج، والانقلابات الدبلوماسية، والصَّفعات التي يُوجِّهها إلى حلفائه المخلصين، يَبرُز الهدف الاستراتيجي الحقيقي الوحيد لِـ«دونالد ترامب»: جني المال، لنفسه ولرفاقه في المغامرات. فقد جنى مليارات من الأرباح عبر المضاربة على تقلُّبات أسواق الأسهم التي أشعلتها حروبه على النفط.
ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي لِـ «الكونغرس»، يشعر سلطان «البيت الأبيض» بأنَّ عرشه آخذ في الاهتزاز. فإذا خسر الأغلبية في مجلسي «الكونغرس»، فلن يعود احتمال عزله مجرَّد فكرة بعيدة المنال. وكذلك الأمر بالنسبة إلى التعديل الخامس والعشرين للدستور الأمريكي، الذي ينصُّ على استبدال الرئيس القائم إذا أصبح غير قادر، ذهنيًا أو جسديًا، على أداء مهامه.
ومن بين المخاوف نفسها ينبع تجدُّد التقارب بين «ترامب» والرئيس الروسي «فلاديمير بوتين»، الذي لم يكن يومًا عدوًا له.
وينبغي لأولئك الذين يردِّدون شعارات مستهلكة عن ضرورة الدفاع عن أوكرانيا حتى تحقيق النصر، والذين هم أدوات بيد تجَّار السِّلاح، أن يدركوا أخيرًا أن «ترامب» لا يكترث بأوروبا، وبالتالي بأوكرانيا، إلا بأقل قدر ممكن. فهدفه هو إبعاد روسيا عن الصين.
وبدلًا من السعي إلى أداء دور في تسوية النزاع الروسي الأوكراني، تعمل المسؤولتان الأوروبيتان غير المسؤولتين، «أورسولا فون دير لاين» و«كايا كالاس»، من «بروكسل»، على تأجيج النزعات الانتقامية لدى دول البلطيق الثلاث، التي لا يتجاوز عدد سكّان كل منها بضعة ملايين وتمتلك جيوشًا محدودة القدرات، وكذلك لدى بولندا، الخصم التاريخي لِـ«موسكو».
وبمساندة وسائل إعلام خاضعة للدعاية، يجري التلويح بمخاوف من هجوم روسي، استنادًا إلى ما يُقال إنَّها استفزازات من «الكرملين»، من دون تقديم أدلة قاطعة عليها، بدءًا من توغُّلات الطائرات المسيَّرة، مرورًا بـ«الحرب الهجينة»، ووصولًا إلى التدخُّل في الانتخابات.
وقال القائد الأمريكي لقوَّات «حلف شمال الأطلسي» (الناتو)، الجنرال «غرينكيفيتش»: “إذا تعرضنا للهجوم، فنحن مستعدون للدفاع عن أنفسنا.” ومع ذلك، لا تصدر عن أجهزة الاستخبارات الغربية تحذيرات بشأن استعدادات روسية لشنِّ هجوم على أوروبا. كما استبعد «بوتين» هذا الاحتمال، لكنَّه وضع شرطًا قائلًا: “إذا وقعت هجمات على الأراضي الروسية، فسنرد، بما في ذلك باستخدام الأسلحة النووية.” وبعبارة أخرى، إذا خطر لأحد أن يهاجم جيب «كالينينغراد» الروسي، فستندلع الحرب.
وتخفي الدعاية الغربية المُحَرِّضة على الحرب مناورةً ضخمة لصرف الانتباه، هدفها تبرير الأعباء الباهظة التي فرضها «ترامب» وقبلها ما يُسمَّى بالقادة الأوروبيين، وفي مقدِّمتهم «جورجا ميلوني»، أمام الرأي العام الأوروبي.
وتتضمَّن هذه الأعباء تخصيص %5 من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري، على حساب الاستثمارات في التعليم والرعاية الصحية العامة والبحث العلمي والتحوُّل في مجال الطاقة؛ أي على حساب القطاعات التي يحتاج إليها الأوروبيون بشدَّة، حتّى لا ينحدروا إلى هوَّة الفقر.
والمفارقة في قلب المفارقة أنَّ الاتحاد الأوروبي يشتري أسلحة من الولايات المتَّحدة، التي أوقفت إمداداتها إلى «كييف»، ثم يُقدِّمها هديةً إلى «زيلينسكي».
ومع ازدياد انقسام أوروبا وتراجع نفوذها وتصاعد الاحتجاجات فيها — إذ بدأت في فرنسا موجة التحرُّكات الاحتجاجية على سياسة نظام «ماكرون» المنهِك لجيوب الفرنسيين، وتلتها إسبانيا، بلجيكا، البرتغال وإيطاليا المغلوبة على أمرها. ومن المتوقَّع أن تحذو دول أخرى حذوها — تجني المجموعة التي تدير شؤون القارة العجوز الثمار المسمومة لما زرعته عندما وضعت نفسها تحت وصاية الرئيس الأمريكي، المتقلّب المزاج.
فقد انحنت أمامه، وأوحت إليه بأنها ستظلُّ إلى جانبه مهما كان القرار الذي يتَّخذه؛ بدءًا من الرسوم الجمركية التي فرضها بالقوة وابتلعتها أوروبا، مع إبداء الشكر، مرورًا بتهديداته لكندا، التي وصفها بأنها «الولاية الحادية والخمسون للاتحاد»، ومطالبته بضم «غرينلاند»، وصولًا إلى الحرب على فنزويلا، التي رافقها اختطاف رئيسها ومحاكمته في الولايات المتحدة.
وقد جرى تقديم تلك العملية على أنها هجوم يستهدف مكافحة الاتجار بالمخدرات، في حين كان النفط هو الهدف الحقيقي. ووصفت «جورجا ميلوني» العملية بأنها «عمل من أعمال الدفاع المشروع».
ويأتي ذلك وصولًا إلى الحرب المدمِّرة وغير المبرَّرة على إيران، التي اتُّخذ قرارها في «تل أبيب»، وقبلتها «واشنطن» من دون تقدير عواقبها الكارثية على توازنات العالم بأسره.
أما المواطنون، فهم من يدفعون الفاتورة، باعتبارهم ضحايا أزمة الطاقة الحادَّة.

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.