منذ الأمس، تتضافر «الصحف» اليمينية والمواقع الإلكترونية ونشرات الأخبار التلفزيونية الموالية لِـ«ميلوني»، لتضع هذا «الوحش» المصطنع حرفيًا في صدر صفحاتها الأولى.
وهذا «الوحش» له اسم ولقب: «يوسف سيهر» (Youssef Siher).
شاب في الثلاثين من عمره، إيطالي من الجيل الثاني، تعود أصوله إلى المغرب، وناشط من أجل فلسطين.
إنُّه كبش الفداء المثالي لكل شرور العالم وكل أعمال العنف فيه، ولكن فقط تلك الشرور وأعمال العنف التي يريدون هم رؤيتها، أو التي يختارون التركيز عليها.
يُقدّمونه باعتباره العقل المدبِّر الخفي وراء المظاهرات التي شهدتها الأيام الأخيرة، و«زعيم القطيع»، و«الشيخ الشاب» الذي يقف وراء الكواليس، والذي يُزعَم أنَّه دبَّر الفوضى وأعمال العنف وتحطيم واجهات المتاجر ونظّمها.
بل إن صحيفة «إل جورنالي» (Il Giornale) وصفته بأنَّه «آية الله المارانزا»، مستثيرةً غرائز قرّاء يتَّسمون بكسل ذهني مأساوي، وقد خُدِّرت عقولهم بالتبسيطات المخلَّة، فضلًا عن كونهم عنصريين إلى حدّ بعيد.
منذ الأمس، يخضع «يوسف الصيهر» للتحقيق للاشتباه في التحريض المشدَّد على ارتكاب الجرائم، على خلفية اتٍّهامه بإدارة القنوات التابعة لحركة «17 أكتوبر» على وسائل التواصل الاجتماعي.
إنَّه اتهام خطير، وكأيّ اتِّهام آخر، لا بدَّ من إثباته أمام المحكمة، لا على صفحات صحيفة «ليبيرو» (Libero) أو عبر نشرات الأخبار التلفزيونية.
لكنَّك، إن فتحت نشرة أخبار القناة الأولى الإيطالية (Tg1) في هذه الساعات، فستجد «يوسف الصيهر» يُصوَّر، من دون أن نعرف على أيّ أسس قانونية، باعتباره مُجرِمًا خطيرًا، ورمزًا للغضب «الإسلاموي» الموجَّه ضد الإيطاليين الطيِّبين المساكين، الذين لا يريدون رؤية الشباب الغاضبين في الساحات، وهم الذين يصفون أنفسهم أيضًا بأنهم «مناهضون للفاشية»! إلى أين سنصل، يا تُرى...؟
يبدو أنَّ اليمين لم يصدِّق سعادته بالعثور على إيطالي من الجيل الثاني، و«مؤيِّد خطيرٍ لفلسطين»، كي يشرح، بطريقة مبسَّطة على مقاس أنصار «ميلوني»، ما الذي حدث في الساحات، ومن يقف وراء أولئك الذين «يحطّمون واجهات المتاجر».
ولا يعنيني إطلاقًا أن أَسرُد المؤهِّلات العلمية لِـ «يوسف الصيهر» أو سيرته الذاتية، ولا أن أتولَّى الدفاع عنه. بل على العكس، إذا ثبتت مسؤوليته، فسوف يتحمَّل تبعات أفعاله أمام القضاء، شأنه شأن الجميع، وكما ينبغي دائمًا في دولة يسودها القانون.
فليست هذه هي المسألة. المسألة هي مدى سهولة هذا الأسلوب الرديء والمبتذَل: أن يختاروا وجهًا واحدًا يحمل اسمًا أجنبيًا وملامح مغاربية، ليُلَطّخوا سمعة حركة بأكملها، وينالوا من شرعيتها، ويحجبوا حقيقتها؛ حركة تنزل إلى الشوارع والساحات دفاعًا عن الحق في التعليم، واحتجاجًا على الارتفاع الباهظ للإيجارات وتكاليف المعيشة، ومن أجل مدرسة وجامعة في متناول الجميع، لا حفنة من المحظوظين وحدهم.
كم هو أسهل أن يصنعوا عدوًا واحدًا واضح الملامح، ثم يلصقوا به هدفًا للرماية، بدلًا من الإجابة عن أسئلة مئات الآلاف من الشباب الذين يحتجّون سلميًا!
وكأن هؤلاء جميعًا مجرّد آلات آلية عاجزة عن التفكير بعقولها. يا لها من رواية بائسة ومتعجرفة!
هذا ما يفعلونه دائمًا، منذ الأزل. وأنا أرفضُ أن أكون جزءًا من هذه اللعبة. لأنًّني أعرفُ آلياتها، ولأنَّني رأيتُ بالفعل كيف تنتهي الأمور: قبل ستة وعشرين عامًا في «جنوة»، وكما حدث العام الماضي من أجل «قطاع غزة». في كل مرة تجرؤ فيها حركة عفوية، يقودها الشباب وغيرهم، على رفع رأسها، يسارعون إلى خفضه من جديد بوابل من الهراوات وحملات الدعاية المضلِّلة.
إنهم يصنعون الوحش المثالي، لا لشيء سوى التستُّر على فظاعة نظام يحمي واجهات المتاجر كما لو كانت ضريحًا تذكاريًا، بينما يُدمِّر حياة البشر، ويسحقهم، ويدوس عليهم، ويدفعهم إلى الهامش، ويجرّمهم، ويقصي كل من لا ينتمي إليه.
وهذا أيضًا شكل من أشكال العنف؛ بل هو أكثرها مكرًا وخبثًا، وأكثرها إثارة للرعب.
لقد أُتيحت لهم الفرصة ليشرحوا للرأي العام من أين ينبع هذا الغضب، وكيف جرى تأجيجه وتضخيمه، وهو بالتأكيد لم ينشأ داخل مجموعة دردشة على تطبيق واتساب.
لكنَّهم فضّلوا، بدلًا من ذلك، أن يُقدِّموا للجمهور عدوَّهم الأخير، كي ينهال عليه بالكراهية: العدو الأكثر ملاءمة لهم، والأكثر وضوحًا، والأيسر استهدافًا؛ الغريب، والآخر، والمختلف.
والنتيجة أنَّ الكراهية أصبحت أشدّ مما كانت عليه، وأنَّ الغضب صار أكبر مما كان عليه بالأمس.
وليس هؤلاء الشباب، بالتأكيد، هم المسؤولين عن ذلك.

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.