هجمات دامية على المطارات والمنشآت الحيوية تضع المملكة أمام معضلة بين مواصلة الحرب في اليمن والقبول بتسوية قد تكون مكلفة
تَعرَّض مطار «الرياض» في 10 أكتوبر لهجوم هو الثالث من نوعه خلال أقل من أسبوع، والأكثر دموية بينها، وفقًا لما أورده مقال نشرته مجلة «ذي إيكونوميست» البريطانية. وذكر المقال أنَّ الحوثيين، وهم جماعة مسلَّحة شيعية مدعومة من إيران، هاجموا المطار بالصواريخ، فيما أفاد شهود عيان بأنَّ الصواريخ أصابت مباشرة المبنى رقم 3، المخصَّص للرحلات الداخلية، ما أدى إلى انهيار جزء من سقفه.
وبحسب المقال، أسفرت الهجمات عن مقتل 13 شخصًا وإصابة 309 آخرين، بعضهم بجروح خطيرة، كما ظلَّ المطار مغلقًا لأكثر من 24 ساعة، من دون وضوح موعد استئناف العمل فيه. وفي اليوم التالي، شنَّ الحوثيون هجومًا جديدًا استهدف المبنى رقم 4، ما تسبَّب في اندلاع حريق.
ويصف المقال هجوم 10 أكتوبر بأنَّه الأسوأ الذي تَتَعرَّض له مملكة «آل سعود» منذ أكثر من عقد، مشيرًا إلى أنه وقع قبل أسبوعين تقريبًا من موعد استضافة السعودية مؤتمرًا استثماريًا مهمًّا. وأعاد الهجوم طرح تساؤلات بشأن كفاءة الدفاعات الجوية السعودية ومستقبل الحرب في اليمن، التي شهدت تجدُّدًا قويًّا للقتال بعد سنوات من الهدنة.
الحرب في اليمن تعود إلى التصعيد
لا يزال الحوثيون يسيطرون على أجزاء واسعة من اليمن، رغم التدخُّل العسكري الذي قادته السعودية عام 2015 بهدف الإطاحة بهم.
وقد جمَّد وقف إطلاق النار المعلن عام 2022 خطوط المواجهة، لكنَّ الحرب الإقليمية التي بدأت، وفقًا للمقال، في فبراير بمشاركة الولايات المتحدة وإسرائيل أثارت شكوكًا بشأن قدرة الهدنة على الاستمرار.
وبحلول الصيف، كان الطرفان يستعدّان لاستئناف القتال. وفي الشهر الماضي، شنَّ الحوثيون هجومًا مكَّنهم سريعًا من السيطرة على مساحات واسعة من الساحل الجنوبي الغربي لليمن، بما في ذلك مدينة «المخا» الساحلية.
وردَّت القوّات السعودية وحلفاؤها اليمنيون بهجوم مضاد خلال أكتوبر، لكنَّ التقدُّم ظلَّ بطيئًا. فقد تمكَّنت القوّات من استعادة شريط ساحلي، قبل أن يتعثَّر تقدُّمها قرب مدينة «ذباب»، الواقعة على بُعد 40 كيلومترًا جنوب «المخا».
وفي الوقت نفسه، يواصل الحوثيون محاولاتهم تطويق مدينة «تعز»، ثالث أكبر المدن اليمنية وأحد معاقل المقاومة المناهضة لهم، كما استأنفوا هجماتهم بالصواريخ والطائرات المسيّرة على منشآت سعودية، بينها مصافٍ نفطية وقواعد عسكرية.
المطارات في مرمى الهجمات
يشير المقال إلى أنَّ الحوثيين جعلوا المطارات هدفًا رئيسيًا لهجماتهم، وحذَّروا المسافرين من استخدام المجال الجوي السعودي.
وعلى مدى ثلاثة أسابيع، نفَّذوا هجمات متزايدة الشدَّة على مطار «الرياض». وأسفر هجوم صاروخي في 8 أكتوبر عن مقتل ثلاثة أشخاص، بينهم طيار، وتدمير طائرة تابعة لشركة طيران سعودية مملوكة للدولة. كما ألغت شركات طيران أجنبية مئات الرحلات.
ورغم ذلك، أبقت السلطات السعودية المطار مفتوحًا، وهو قرار اعتبره كثيرون في العاصمة متهوِّرًا، بحسب المقال.
ولا تزال أسباب عجز الدفاعات الجوية السعودية عن اعتراض الصواريخ غير واضحة، رغم امتلاك المملكة منظومات متطوِّرة، من بينها منظومة «ثاد» وبطاريات «باتريوت» أميركية الصنع.
لكن المقال يشير إلى أنَّ السعودية، شأنها شأن دول أخرى في المنطقة، تواجه مخاوف من تراجع مخزون الصواريخ الاعتراضية بعد نحو ثمانية أشهر من الحرب.
مؤتمر الاستثمار أمام اختبار أمني
قبل ساعات من الهجوم الأخير، أعلن منظِّمو مبادرة مستقبل الاستثمار أن المؤتمر سيُعقَد في موعده المقرَّر يوم 26 أكتوبر.
ويُعرف هذا الحدث السنوي، الذي ينظِّمه ولي العهد «محمد بن سلمان»، باسم «دافوس الصحراء»، ويستقطب عادةً شخصيات بارزة من عالم المال والأعمال.
ويشير المقال إلى أن إلغاء المؤتمر سيكون محرِجًا للسلطات السعودية، لكن حضور المسؤولين التنفيذيين والمستثمرين لا يزال غير مضمون، خصوصًا في ظل المخاطر الأمنية وصعوبة الوصول إلى المملكة جوًا.
كما أن التوجُّه إلى مدن سعودية أخرى قد لا يمثِّل بديلًا آمنًا، إذ استهدف الحوثيون أيضًا مطار «الدمام»، الواقع إلى الشرق من «الرياض»، على مسافة تستغرق الرحلة إليها بالسيارة نحو أربع ساعات.
معضلة استراتيجية أمام «محمد بن سلمان»
يرى المقال أن هذه التطوُّرات تكشف عن مأزق أوسع تواجهه السعودية. فالـحوثيون، بحسب المجلة، لا يضعون الحوكمة في صدارة أولوياتهم، بل يتعاملون مع المناطق الخاضعة لسيطرتهم باعتبارها مناطق نفوذ خاصة، ويموٍّلون آلتهم العسكرية من خلال الضرائب والرسوم المرتفعة المفروضة على سكان يعانون أصلًا أوضاعًا معيشية قاسية.
وقد دفعت أكثر من عشر سنوات من الحرب اليمن إلى أزمة إنسانية واقتصادية عميقة، لكن الحوثيين ما زالوا مستعدِّين وقادرين على مواصلة القتال.
في المقابل، لدى السعودية الكثير مما تخشى خسارته؛ إذ إنَّ استمرار الحرب، بالتزامن مع الهجمات المتكرِّرة على المطارات والمنشآت النفطية، قد يعرقل خططها لتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط.
وينقل المقال عن مصادر التقت مؤخَّرًا قادة سعوديين أنَّ ولي العهد مُصمِّم على استعادة الأراضي التي خسرها أمام الحوثيين الشهر الماضي. لكن مسؤولًا غربيًا نقلت عنه المجلة قوله إنَّه لا يعرف ما إذا كانت لدى «الرياض» أهداف واضحة تتجاوز ذلك.
دعم دولي لا يضمن الحسم
ووفقًا للمقال، حصلت السعودية على قدر من الدعم الدولي. فقد فعَّلت هذا الشهر اتّـفاق الدفاع المشترك الذي وقَّعته مع باكستان وتركيا في أغسطس.
وأرسلت باكستان عدَّة آلاف من الجنود، مع تأكيدها أنَّهم لن يشاركوا في العمليات داخل اليمن. كما أرسلت بريطانيا طائرة للتزوُّد بالوقود جوًّا، وتعهَّدت فرنسا بإرسال قوات لحماية ميناء نفطي رئيسي على البحر الأحمر.
أما الرئيس الأميركي «دونالد ترامب»، فقد رفض مرارًا طلبات من ولي العهد السعودي لشن غارات جوية أميركية، لكنَّه أشار إلى إمكانية إعادة النظر في موقفه بعد الهجوم على المطار.
ومع ذلك، يرى المقال أنَّ هذه التحرُّكات لن تكون حاسمة في مواجهة الحوثيين.
التسوية الدبلوماسية خيار مكلِّف
يبقى الخيار الآخر هو التوصُّل إلى اتِّفاق مع الحوثيين، لكن المجلة ترى أن الجماعة ستطالب بثمن مرتفع، قد يشمل مكاسب اقتصادية، وإنهاء الحصار السعودي للمجال الجوي اليمني، وتقديم تنازلات أخرى.
كما أنَّ القبول بمثل هذه المطالب قد يرسخ سابقة خطيرة، إذ قد يستنتج الحوثيون أنَّ استهداف البنية التحتية المدنية وسيلة فعَّالة لفرض التنازلات.
ويخلص المقال إلى أنَّ السعودية، بعد أكثر من عقد من الحرب، تجد نفسها أمام خيارات محدودة، في ظلِّ صعوبة تحقيق حسم عسكري واضح وارتفاع تكلفة التسوية السياسية.

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.