لكن بعد مرور عدة أيام، بدأت تتكشف معطيات تشير إلى أن الأمر لم يكن مجرد عطل فني عابر، بل إن «البيت الأبيض» هو من فرض مباشرةً قيودًا على الخدمات المقدمة لوزارة الدفاع الأوكرانية في «كييف»، وفقًا لما أوردته تقارير إعلامية.
وبمجرد أن بدأت الطائرات المسيّرة تواجه مشكلات، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي برسائل غاضبة تنتقد «ستارلينك» (Starlink)، شبكة الأقمار الصناعية التابعة لشركة «سبيس إكس»، التي يسيطر عليها «إيلون ماسك».
وقد غذّت هذه الموجة من الاتهامات مشاعر النفور من الملياردير المثير للجدل، لكنها استندت أيضًا إلى سوابق أثّرت فيها قراراته الإدارية سلبًا في العمليات العسكرية الأوكرانية، كما حدث في الماضي.
غير أن «ماسك» لم يتقبل الانتقادات، وسرعان ما وجّه، عبر منصة «إكس»، أصابع الاتهام إلى الحكومة الأمريكية.
في المراحل الأولى من الغزو الروسي، وجدت إدارة «سبيس إكس» نفسها أمام وضع معقد؛ فمن جهة، كانت الشركة قد تعهدت علنًا بدعم «كييف»، ومن جهة أخرى، لم تكن تريد إرساء سابقة تسمح باستخدام «ستارلينك» في عمليات عسكرية هجومية.
وللخروج من هذا المأزق، أطلقت الشركة عام 2022 نظام «ستارشيلد» (Starshield)، وهو كيان منفصل رسميًا عن «ستارلينك»، لكن الحدود الفاصلة بينهما ليست واضحة تمامًا، ويُعد «البنتاغون» العميل الرئيسي له.
لكن وفقًا لتصريحات «ماسك» الأخيرة، فإن «ستارشيلد» ليس شركةً تابعةً ل«سبيس إكس» أصلًا، بل إنه «مملوك لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية وخاضع لسيطرته».
وينبغي الإشارة إلى أن تصريحات رجل الأعمال لم تكن موثوقة في مناسبات عديدة، وأن القضية تثير تساؤلات بشأن الهيكل الفعلي لملكية الخدمة وإدارتها.
ومع ذلك، أكدت مصادر مطلعة على القضية، تحدثت إلى وكالة رويترز، مسؤولية الإدارة الأمريكية عن التدخل، كاشفةً أن إدارة «ترامب» هي التي أمرت مباشرةً بتقييد قدرات نقل البيانات عبر الأقمار الصناعية المستخدمة من قبل الجيش الأوكراني.
وبصورة أكثر تحديدًا، يُقال إن وزارة الحرب الأمريكية تلقت رسالة لم تُحدَّد تفاصيلها، تحثها على إبطاء الخدمات المقدمة إلى «كييف».
جاء هذا الأمر في سياق سياسي تشهد فيه العلاقات بين الولايات المتحدة وأوكرانيا تدهورًا جديدًا.
ف«البيت الأبيض» يتهم كييف بالتسبب في ارتفاع أسعار المحروقات من خلال قصف منشآت الطاقة الروسية، محملًا أوكرانيا جانبًا كبيرًا من المسؤولية عن تداعيات الصراع مع إيران.
وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»، يوم الأحد 11 أكتوبر، باسم روسيا وأوكرانيا، التوصل إلى وقف لإطلاق النار يقتصر على الهجمات التي تستهدف منشآت الطاقة، وذلك بالتزامن مع استئناف الولايات المتحدة استيراد الديزل من روسيا.
لكن المفارقة أن «موسكو» و«كييف» لا تبدوان قد وافقتا أصلًا على الالتزام بالهدنة، فضلًا عن تنفيذها. وعندما سُئل «ترامب» عن الأمر، اكتفى بالقول، وفقًا لما نقلته شبكة «سي إن إن»: «لقد وافقوا. وهل تعرفون لماذا؟ لأنني قلت لهم: “أنتم موافقون”. لهذا السبب».
وعندما طُلب من إدارة «ترامب» التعليق على القضية، نفت أن يكون الرئيس هو من أصدر الأمر، لكنها لم تنفِ صدور الأمر نفسه، كما لم تحدد الجهة التي تقف وراءه.
وفي هذه الأثناء، توجّه «فولوديمير زيلينسكي» إلى المملكة المتحدة للحفاظ على متانة العلاقات الدبلوماسية مع الحلفاء الأوروبيين، وأقرّ بشعوره بالخيانة، قائلًا: «من المؤسف أننا نفقد حليفًا قويًا».
وفي نهاية المطاف، دفعت الوساطة البريطانية «بيت هيغسيث»، وزير الحرب الأمريكي، إلى التأكيد أن نظام «ستارشيلد» سيعود إلى العمل بكامل طاقته في أوكرانيا أيضًا.
لكن حالة عدم اليقين لا تزال قائمة، لا سيما أن «زيلينسكي» أفاد بأن الإدارة الأمريكية ألمحت إلى استعدادها لوقف تبادل المعلومات التي تجمعها أجهزتها الاستخباراتية مع أوكرانيا أيضًا. ومن شأن هذه الخطوة أن تمثل تصدعًا مهمًا في العلاقات بين البلدين.

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.