الإيطالية نيوز، الأربعاء 14 أكتوبر 2026 — هناك احتكار قِلّي غير مرئي يقود مباشرة إلى الولايات المتحدة. ويتعلق الأمر بقطاع التمويل ووكالات التصنيف الائتماني، القادرة على التأثير في القرارات والتسبب في سقوط حكومات منتخبة ديمقراطيًا، كما حدث في حالات أشار إليها هذا التقرير.وتسيطر على هذا القطاع «الشقيقات الثلاث»: «ستاندرد آند بورز»، و«موديز»، و«فيتش»، وهي مؤسسات تحدد تقييماتها المالية البلدان التي تُعد أسواقًا آمنة للاستثمار، وتلك التي يُفضّل المستثمرون الانسحاب منها في أسرع وقت ممكن.
وتثير هذه التقييمات النوعية مجموعة من الإشكاليات المتعلقة بالاستقلالية والموضوعية، وهو ما قرر الاتحاد الأفريقي التصدي له من خلال إنشاء «وكالة التصنيف الائتماني الأفريقية»(AfCRA).
وتهدف الوكالة إلى إبراز الإمكانات الاقتصادية للدول الأفريقية، والعمل على خفض تكاليف ديونها على المدى الطويل. وتُمثل هذه الخطوة محطة مهمة تفتح الباب أمام تحدٍّ أفريقي لهيمنة الولايات المتحدة على القطاع المالي.
تعاني دول العالم من المديونية، وهذا ليس أمرًا جديدًا. ولتمويل العجز، تلجأ الحكومات إلى الأسواق الدولية عبر إصدار السندات الحكومية، وهي في جوهرها التزامات مالية مستقبلية.
وبعبارة أخرى، تحصل الدول على الأموال من صغار المدخرين وصناديق الاستثمار الكبرى، مقابل التعهد بدفع فوائد، عادةً خلال فترة تتراوح بين خمس وعشر سنوات.
وكلما كان الاقتصاد أكثر متانة، ازدادت جاذبيته للأسواق، وانخفضت تكلفة إقناع المستثمرين بإقراض الأموال. أما إذا كان الاقتصاد ضعيفًا، فترتفع أسعار الفائدة، ما يؤدي إلى الدخول في دوامة أكثر كلفة من «المديونية المزمنة».
وفي هذا العالم الواسع من السندات والأرقام والمضاربات، تؤدي وكالات التصنيف الائتماني دورًا محوريًا، إذ توجه قرارات المستثمرين من خلال تقييماتها.
ويشير التصنيف AAA، من الناحية النظرية، إلى اقتصاد قوي يُعد الاستثمار فيه آمنًا، بينما تشير التصنيفات التي تبدأ من الدرجة C إلى ارتفاع مخاطر التخلف عن سداد الديون، ووصول الدول إلى حافة التعثر المالي.
وهكذا، تؤدي وكالات التصنيف الائتماني دور الواجهة التي تُعرض من خلالها فرص الاستثمار. وعلى غرار ما حدث في قطاعات أخرى، نجحت الولايات المتحدة بمرور الوقت في إنشاء احتكار قِلّي، جعل من «ستاندرد آند بورز» و«موديز» و«فيتش»المؤسسات الأكثر شهرة ومصداقية في نظر المستثمرين. غير أن تقييمات هذه الوكالات لا تعكس دائمًا الوضع الاقتصادي الحقيقي، سواء على مستوى الدول أو القطاع الخاص.
ومن الأمثلة على ذلك أزمة الرهن العقاري عالي المخاطر في عامي 2007 و2008، حين تحولت سندات كانت وكالات التصنيف الأمريكية قد منحتها درجة AAA إلى «سندات رديئة» خلال أسابيع قليلة. وتطول قائمة هذه «الأخطاء»، ما يغذي الشكوك بشأن مدى استقلالية «الشقيقات الثلاث» الفعلية.
وفي هذا السياق، يأتي تأسيس «وكالة التصنيف الائتماني الأفريقية» (AfCRA)، التي افتُتحت الأسبوع الماضي في «بالاكلافا»، شمال جزيرة «موريشيوس»، بمبادرة حظيت بدعم قوي من «الاتحاد الأفريقي».
وتشير المنظمة إلى أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي تحصل، في المتوسط، على تصنيفات ائتمانية أقل، تتراوح بين B وB-، مقارنة باقتصادات ناشئة أخرى تحقق أداءً مماثلًا، لكنها تحصل على تصنيفات عند مستوى BB.
ووفقًا لتقديرات «اللجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة للأمم المتحدة»، تكبّد هيمنة وكالات التصنيف الأمريكية الدول الأفريقية نحو 75 مليار دولار سنويًا من تكاليف فوائد الديون الإضافية.
وفي عدد من البلدان الأفريقية، تجاوزت مدفوعات فوائد الديون الإنفاق الاجتماعي المخصص لقطاعي الصحة والتعليم.
تأسست «وكالة التصنيف الائتماني الأفريقية» بوصفها هيئة مستقلة، بهدف توفير مصدر بديل للمعلومات والتقييمات في مواجهة التحيزات والتقديرات الغربية، وتسليط الضوء على ما تصفه بضعف المعرفة بالإمكانات الحقيقية للقارة، في ظل ما تمتلكه من موارد، ونمو سكاني متسارع، وفرص إنتاجية.
ومن هذا المنطلق، تسعى الوكالة إلى إنشاء منظومة موازية للمنظومة الأمريكية، مع التركيز بصورة خاصة على المستثمرين المحليين، بهدف تخفيف قبضة الدين العام، الذي لطالما شكّل أداة من أدوات الهيمنة الاستعمارية الجديدة.
ولا يزال الطريق طويلًا قبل تحقيق النتائج الأولى؛ إذ يتعين على الوكالة تجاوز تحدي ضمان استقلاليتها الفعلية وكسب ثقة الأسواق المالية.
لكن تأسيسها يأتي في إطار توجه أفريقي نحو تقرير المصير والاستقلال الاقتصادي، وهو توجه تعزز خلال السنوات الأخيرة عبر خطوات متعددة، من بينها عمليات التأميم التي شهدتها بوركينا فاسو، والجهود الرامية إلى استعادة الأراضي التي انتُزعت خلال الحقبة الاستعمارية في مدغشقر.
شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.