مع ارتفاع عدد أفراد الجالية المسلمة في ألمانيا يزداد انتشار مبادرات موائد الرحمن خلال شهر رمضان، وهي موائد إفطار جماعية مجانية تقدمها الجمعيات الإسلامية لعامة الناس. ليست موائد الرحمن حكرا على الفقراء بل يمكن للميسورين ولعابري السبيل والمغتربين ولكل من افتقد إلى الأجواء الرمضانية الاستفادة منها. خالد سلامة ينقل لنا الأجواء من أحد مساجد حي نُوْي كُولْن في العاصمة الألمانية برلين.
في مسجد الشهداء، أكبر مساجد برلين يبدأ التحضير لمائدة الرحمن قبل موعد الإفطار ببضع ساعات. وقبيل أذان المغرب يبدأ الزوار في التوافد على المسجد. إنهم ضيوف الرحمن في بيته وعلى مائدته. يشرح إندر تشتن، مدير المسجد، أن تكاليف الطعام "تأتي بالكامل من تبرعات الأفراد، كما يقوم طباخ المسجد بتحضير الطعام الذي يقدم للضيوف". ويحرص المتبرع على عدم إعلان اسمه لتفادي مواقف التباهي والتفاخر بمثل هذه الأعمال الخيرية.
السعادة تغمر وجوه القائمين على العمل وهم يقدمون الطعام إلى الصائمين بعد غروب الشمس. وفقط بعد الانتهاء من تقديم خدماتهم للحاضرين، يبدأون هم أيضا بالإفطار. كل ذلك يتم بنظام وانضباط. ويقول إندر المشرف على المسجد إن القدرة الاستعابية تترواح بين 150 و200 صائم يومياً، "وفي حال ارتفاع عددهم بشكل غير متوقع، فإننا نتدارك الموقف من خلال طلب وجبات من المطاعم التركية المجاورة". في ليلة القدر يزداد عدد الضيوف بشكل ملحوظ حيث يفطر هناك ما يقارب 1500 صائم." بعد تناول التمر والماء، يقدم للصائم شوربة عدس أو شوربة خضار، وأرز أو برغل، ولحم وسلطة وحلويات".
غذاء الروح
ليست موائد الرحمن حكرا على الفقراء والمساكين، ويمكن للميسورين وللأغنياء ولعابري السبيل والمغتربين ولكل من افتقد إلى الأجواء الرمضانية الاستفادة من خدماتها. وتهدف مبادرات موائد الرحمن إلى تحدي الفوارق الاجتماعية، حيث تجد هناك اليافعين والشباب والنساء وكبار السن والأطفال. ورغم أن الشريحة الكبرى تركية، فإن هناك ضيوفا عربا وأسيويين وأفارقة وألماناً. يحرص عبد القادر حرش(67 عاماً) وزوجته وأولاده الشباب على حضور موائد الرحمن، "الإفطار مع الجماعة يعطي البركة ويتسم بروح الجماعة، كما إنها تذكرنا بإفطارات رمضان في بلدي الأصلي حيث كان الجيران يتبادلون الهدايا بوجبات الطعام، فتجد في كل بيت من بيوت الحارة أطعمة مختلفة على مائدة الإفطار".

وكما أظهر استطلاع للرأي قمنا به، فإن موائد الرحمن لا ترتبط فقط بصورة الطعام المجاني المقدم للضيوف بل تشير أيضا إلى مفاهيم التضامن والتكافل الاجتماعي والرحمة وتبادل المشاعر المشتركة. عن ذلك تقول المواطنة الألمانية المسلمة لينيه كيالونات(32 عاماً)، الحاملة لشهادة الماجستير في العلوم الثقافية والتربية الدينية وتعليم المتقدمين بالسن: " نتفادى الشعور بالوحدة من خلال موائد الإفطار الجماعية وهي تمنحنا أجواء روحانية وعائلية مميزة".
موائد الرحمة: تواصل وحوار
خلال شهر رمضان يستضيف المسجد بعض الفعاليات التي يتم فيها دعوة أطراف رسمية غير مسلمة للتعريف برمضان وذلك عن طريق حلقات النقاش أوالزيارات للمتحف الإسلامي أو الإفطار الجماعي وغيرها من الفعاليات والبرامج المميزة. ويوضح المشرف إندر قائلا: "نحن منفتحون على غير المسلمين، ونوجه الدعوة للإفطار لجيران المسجد، وللجهات الرسمية الألمانية، وكذلك لبعض المدارس والكنائس في الحي، بهدف التعريف برمضان وبالقيم الإسلامية. وعادة ما يلبي هؤلاء الدعوة شخصيا أو من خلال ممثليين عنهم".
وفي هذا السياق تؤكد إليزابيث كروزي، قسيسة الكنيسة البروتستانتية، المجاورة للمسجد على أهمية حسن الجوار في التواصل والحوار بين الأديان وتقول: "انطلاقاً من حسن الجوار، فإننا نتبادل الدعوات في المناسبات الدينية. الدعوة إلى الإفطار هي فرصة جيدة لاستشعار أجواء رمضان، وهي أيضا تعبير عن الثقة المتبادلة بين الطرفيين الإسلامي والمسيحي. فمثل هذه الدعوات تحيي علاقات الجوار بشكل أفضل وتحفز الحوار الديني بينا".

اترك تعليقا