الربح والتواطؤ: كيف تسهم الاستثمارات الهندية في إدامة الاحتلال الإسرائيلي - الإيطالية نيوز

إعلان فوق المشاركات

الربح والتواطؤ: كيف تسهم الاستثمارات الهندية في إدامة الاحتلال الإسرائيلي

الربح والتواطؤ: كيف تسهم الاستثمارات الهندية في إدامة الاحتلال الإسرائيلي

الإيطالية نيوز، الأحد 28 سبتمبر 2025 – تبدو كلفة الاحتلال في قطاع غزة جلية للعيان: عائلات تعيش بين الركام، مستشفيات مثقَلة بالقصف، وأطفال يكبرون وسط أصوات الحرب. غير أنّ خَلْف هذا الدمار المرئي، ثِمَّة قصة أقل ظهورًا لكنَّها لا تقل خطورة، تربط بين رؤوس الأموال والشركات الهندية وبين آلة الاحتلال والسيطرة الإسرائيلية. وبينما يؤكد الخطاب السياسي في الهند على حقوق الإنسان والتنمية، تكشف الاستثمارات الاقتصادية مسارًا أخر، حيث تتقاطع المصالح التجارية مع منظومات تُخلِّد المعاناة. ومع تفاقم الأزمة الإنسانية، يواصل رأس المال الهندي التدفُّق إلى قطاعات تدعم بشكل مباشر الحملات العسكرية والمستوطنات وآليات القمع اليومية التي يعيشها الفلسطينيون.


وتشير معطيات وُثِّقت في تقرير نشره "مركز دراسات المالية والمساءلة" (CenFA) إلى أنّ الشركات الهندية، العامَّة والخاصَّة على السواء، مندمجة في اقتصاد الاحتلال الإسرائيلي. ففي قطاع الدفاع، انخرطت شركة «أداني إنتربرايزز» في مشاريع لتطوير طائرات مسيّرة مثل «هيرميس 900» التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة. وهذه التقنيات ليست منتجات محايدة، بل أدوات فاعلة في عمليات أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين وتهجير جماعي. وإلى جانب ذلك، يسهم اقتناء الهند لمركبات مدرعة وتقنيات عسكرية متقدِّمة في ترسيخ صلة رأس المال الهندي بآليات السيطرة الإسرائيلية على قطاع غزة والضفة الغربية.


كما يطال التواطؤ شركات التكنولوجيا. فمجموعات كبرى مثل «تاتا كونسلتنسي سيرفيسز» (TCS) و«إنفوسيس» و«ريلاينس» توفِّر حلولًا برمجية وأنظمة معلوماتية تُعزِّز البنية التحتية للمراقبة في الأراضي المحتلَّة. هذه الشبكات الرقمية تمكّن من مراقبة الفلسطينيين وتقييد حركتهم والتحكُّم في حياتهم اليومية، وهي ممارسات شبّهها مراقبون دوليون بسياسات الفصل العنصري. وبهذا تصبح الخبرة التكنولوجية الهندية جزءًا لا يَتجزَّأ من منظومة الاحتلال، تُسهِّل آليات الضبط والسيطرة على ملايين البشر.


الاستثمارات في قطاعي المياه والزراعة تُعمِّق هذا التشابك. فقد دخلت شركات مثل «جين للري» و«أداني فنتشرز» في شراكات مع شركة «مكوروت» الإسرائيلية للمياه، المسؤولة عن إدارة التوزيع في الضفة الغربية والمستوطنات. ومن خلال تمويل هذه الشراكات، تجني الشركات الهندية أرباحًا من أنظمة تُحرم الفلسطينيين من أبسط حقوقهم في الحصول على المياه. وهكذا يتحوَّل المورد الحيوي إلى أداة ضغط، فيما تغدو الاستثمارات الهندية جزءًا من بنية الحرمان وعدم المساواة.


وتتعدَّى المساهمة الهندية هذه القطاعات لتشمل البنى التحتية. فقد شاركت شركات هندية في بناء طرق وأنابيب ومشاريع تدعم المستوطنات بشكل مباشر. وبرغم تقديمها في صورة مشاريع تجارية اعتيادية، فإنها غالبًا ما تقوم على مصادرة أراضٍ فلسطينية، لتندمج الموارد الاقتصادية في صلب منظومة الاحتلال. وبذلك لا تقف المصالح الهندية موقف المتفرج، بل تشكّل عنصرًا فاعلًا في استمرار القمع.


على المستوى السياسي، يتوازى هذا المسار مع تحوُّلات في توجُّهات "نيودلهي". فبينما دعمت الهند تاريخيًا حق الفلسطينيين في تقرير المصير داخل المحافل الدولية، شهدت السنوات الأخيرة تقاربًا سياسيًا واقتصاديًا متزايدًا مع إسرائيل، في وقت تتفاقم فيه المأساة الإنسانية في قطاع غزة. وقد ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى مليارات الدولارات سنويًا، فيما أُبرمت معاهدات استثمارية جديدة تعكس هذا الاصطفاف. ويكشف ذلك عن ازدواجية مقلقة: فالهند ترفع شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنها في الممارسة تعمّق شراكات مع دولة متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي.


ويؤكِّد "مركز دراسات المالية والمساءلة" على أنَّ «رأس المال الهندي، العام والخاص، بات جزءًا من المنظومة المالية التي تديم الاحتلال وجرائم الحرب». ويُظهر تلاقي السياسات الحكومية والاستثمارات الخاصة أولوية الرِّبح والمصالح الاستراتيجية على حساب المسؤولية الأخلاقية، ما يطرح أسئلة ملحة حول التواطؤ في انتهاكات مستمرَّة لحقوق الإنسان.


تنعكس نتائج هذه الخيارات على أرض الواقع في غزة، حيث تتواصل العمليات العسكرية، ويستمر الحصار الذي يُقيِّد الوصول إلى الغذاء والمياه والمساعدات الطبية، فيما تُدمِّر المدارس والمستشفيات. وتفيد تقارير أممية بأن عشرات الآلاف من الفلسطينيين نزحوا جراء جولات التصعيد الأخيرة، وسط تدهور خطير في الخدمات الأساسية. وتلعب الاستثمارات الهندية، بشكل مباشر أو غير مباشر، دورًا في استمرار هذا الواقع. فالأنظمة التكنولوجية والمعدات العسكرية والبنى التحتية الممولة من رأس المال الهندي تمكّن الاحتلال من الاستمرار. وكما يشير "مركز دراسات المالية والمساءلة": «إن الاستثمارات في قطاعات مثل المياه والتكنولوجيا، رغم مظهرها العادي، غير قابلة للفصل عن منظومة القمع المنهجي».


من مشاريع الدفاع التي تقودها «أداني»، إلى شراكات «جين للري» مع «مكوروت»، مرورًا بالخدمات التكنولوجية المقدمة من «ريلاينس» و«تي سي إس» و«إنفوسيس»، يتشكل نسيج اقتصادي يعزز الاحتلال. وقد قفز حجم التبادل التجاري بين نيودلهي وتل أبيب إلى مستويات قياسية، فيما تتيح اتفاقيات الاستثمار الجديدة توسعًا إضافيًا. كل صفقة أو عقد استثماري يغدو جزءًا من منظومة أوسع تدعم الاستيطان والسيطرة العسكرية والحرمان الممنهج.


القانون الدولي واضح في هذا المجال: نقل الموارد لتمويل التوسع الاستيطاني أو مشاريع مرتبطة بالاحتلال محظور. وبتمويل مثل هذه المشاريع، تخاطر الشركات الهندية بارتكاب خروقات قانونية وأخلاقية جسيمة. ويتجاوز الأمر المخاطر القانونية إلى واجب أخلاقي لا يمكن إنكاره. وكما شدَّد أحد خبراء حقوق الإنسان المشار إليهم في التقرير: «الدعم المالي والتكنولوجي للاحتلال ليس محايِدًا، بل يُرسِّخ الهياكل التي تنتهك أبسط حقوق السكان الواقعين تحت الحصار». وحتَّى لو كان الدافع الأساسي هو الربح، فإنَّ الأبعاد الأخلاقية تظلُّ صارخةً.


وحَثَّ "مركز دراسات المالية والمساءلة" الشركات الهندية على إعادة النظر في مشاركتها بمشاريع مرتبطة بالاحتلال، داعيًا الحكومة إلى مواءمة سياسات التجارة والاستثمار مع معايير حقوق الإنسان الدولية. كما دعا المواطنين والمجتمع المدني إلى محاسبة الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين على تواطؤهم، عبر رفع الوعي والمطالبة بالشفافية والإصلاحات.


وبذلك، لا تقتصر قصة قطاع غزة على الصمود والمقاومة، بل تشمل أيضًا تواطؤ رأس المال في تعميق المأساة. فالشركات الهندية، عبر استثماراتها في الدفاع والتكنولوجيا والمياه والبنية التحتية، تٌقدِّم دعمًا ماديًا للاحتلال. أما الحكومة الهندية، التي تُعزِّز علاقاتها مع إسرائيل رغم الكارثة الإنسانية، فتجد نفسها منحازة لسياسات تقوّض حقوق الإنسان. وإدراك هذه التشابكات المالية أمر حاسم، إذ لا يجوز للربح أن يتقدم على الحق في الحياة والكرامة والعدالة.


كما يُلخِّص تقرير "مركز دراسات المالية والمساءلة" لعام 2025: «كل استثمار ينطوي على خيار أخلاقي؛ وفي غزة، هذا الخيار صارخ لا لبس فيه». فالمساءلة الأخلاقية، وشفافية الشركات، والالتزام بمبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان، كلها استحقاقات عاجلة. وفقط عبر فك الارتباط بين الربح والاضطهاد، يمكن للهند أن تصالح بين قيمها المناهضة للاستعمار في الماضي ومسؤولياتها الراهنة، بحيث لا يأتي الانخراط الاقتصادي على حساب معاناة الشعوب.

«وحين يتدفَّق الرِّبح بلا قيود، تتحول معاناة البشر إلى عملة للتبادل، وقطاع غزة يدفع الثمن».

صحة وطب

إعلان اسفل المشاركات

الإيطالية نيوز

الإيطالية نيوز، موقع إخباري مهتم بشؤون الجالية المقيمة في الخارج مع إطلالة على أهم الأحداث والحوادث الواقعة في العالم.

انظم إلينا عبر المنصات التالية

للتواصل معنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

أقاليم إيطاليا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

مواقع قد تفيدك