ويقول «البنتاغون» إن العملية تستهدف مكافحة تهريب المخدرات، غير أن الرسالة السياسية تبدو واضحة: الولايات المتحدة تريد استعراض قوتها أمام «كاراكاس».
وفي الوقت نفسه، شنّت طائرة أميركية غارة في المياه الدولية استهدفت سفينة يُشتبه في تورطها بعمليات تهريب مخدرات، ما أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص.
على الرغم من أن الرئيس الأميركي «دونالد ترامب» كان قد صرّح يوم الجمعة بأنه لا ينوي مهاجمة فنزويلا، نافياً ما نشرته صحيفتا «ول ستريت جورنال» و «ميامي هيرالد» بشأن هجمات وشيكة، فإن التوتر بين واشنطن وكاراكاس يواصل التصاعد.
فمنذ أسابيع، تعمل الولايات المتحدة على تعزيز وجودها العسكري في البحر الكاريبي والمحيط الهادئ الشرقي، حيث تجوب المنطقة سفنٌ حربية مزوّدة بصواريخ "توماهوك"، إلى جانب مقاتلات F/A-18 وطائرات حرب إلكترونية من طراز EA-18 Growler. كما نفذت قاذفات B-52 وB-1 طلعات استطلاعية قرب السواحل الفنزويلية.
وفي تطور موازٍ، أعلنت جمهورية ترينيداد وتوباغو المجاورة حالة التأهب العسكري خشية وقوع تصعيد محتمل. ورغم نفي البيت الأبيض وجود خطط لغزو فنزويلا، نقلت وسائل إعلام أميركية عن مصادر مطلعة أن «واشنطن» حدّدت بالفعل عدداً من الموانئ والمطارات الفنزويلية التي تعتبرها “أهدافا حساسة” يُشتبه بارتباطها بشبكات تهريب المخدرات.
في الوقت الذي تواصل فيه السفن الأميركية اقترابها من المياه الإقليمية الفنزويلية، صدرت من موسكو أولى ردود الفعل الحازمة. فقد ندّدت وزارة الخارجية الروسية، عبر المتحدثة باسمها «ماريا زاخاروفا»، يوم السبت بما وصفته بـ«الاستخدام المفرط للقوة العسكرية» من قبل الولايات المتحدة في البحر الكاريبي، مؤكدة «دعم موسكو للقيادة الفنزويلية في الدفاع عن سيادة البلاد».
وقال المتحدث باسم الكرملين «ديمتري بيسكوف» إن “روسيا تتابع الوضع في فنزويلا عن كثب”، معربا عن أمل بلاده في التوصل إلى حل سلمي للأزمة.
وفي موازاة المواقف الدبلوماسية، وجّه الرئيس الفنزويلي «نيكولاس مادورو» طلبا رسميا إلى نظيره الروسي «فلاديمير بوتين» للحصول على مساعدة عسكرية، تشمل أنظمة رادار دفاعية وقطع غيار لمقاتلات “سوخوي سو-30” ومحركات وصواريخ مضادة للطائرات.
التحالف بين «كاراكاس» و «موسكو» ليس وليد اللحظة؛ فقد وقّع البلدان في مايو الماضي اتفاقا للتعاون الاستراتيجي يشمل تزويد فنزويلا بالطاقة والتدريب العسكري وتكنولوجيا الدفاع.
إلا أن المحللين يحذرون من المبالغة في توقع الدعم الروسي المباشر، نظراً إلى انشغال موسكو في الجبهة الأوكرانية والقيود المفروضة عليها بفعل العقوبات الغربية، ما قد يحدّ من قدرتها على التدخل الميداني.
ومع ذلك، فإن أي دعم رمزي ل «مادورو» من جانب روسيا قد يكون كافيا لإعادة إشعال التوتر بين «موسكو» و «واشنطن» في منطقة تُعدّ تاريخيا «الفناء الخلفي» للولايات المتحدة.
وفي الأثناء، تسعى «كاراكاس» إلى توسيع دائرة تحالفاتها، عبر التقارب مع كلٍّ من «بكين» و «طهران»، في محاولة لإنهاء عزلتها الدولية.
الأزمة أثارت على الفور موجة من ردود الفعل في المجتمع الدولي، حيث أعربت كل من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي عن قلقهما من تصاعد التوتر ومخاطر اندلاع صراع مسلح في المنطقة.
ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، «فولكر تورك» (Volker Türk)، إلى فتح تحقيق بشأن الغارات الأميركية التي استهدفت سفنًا في البحر الكاريبي والمحيط الهادئ، واصفًا تلك الهجمات بأنها «غير مقبولة».
ويؤكد خبراء القانون الدولي أن أي عمل عسكري لا يحصل على تفويض من مجلس الأمن يُعد انتهاكًا لمبدأ السيادة وللحظر المفروض على استخدام القوة بموجب ميثاق الأمم المتحدة.
وفي أميركا اللاتينية، دعت عدة دول واشنطن إلى تجنب أي مبادرات أحادية، كما حثت كاراكاس على عدم الرد على الاستفزازات. وقال الرئيس البرازيلي «لويس إيناسيو لولا دا سيلفا» إن دخول السفن الأميركية إلى البحر الكاريبي يثير القلق، مؤكدًا أن بلاده تسعى إلى تجنب مواجهة مباشرة.
وتبقى الأوضاع في المنطقة قابلة للاشتعال في أي لحظة، إذ إن المسألة لم تعد تقتصر على مستقبل فنزويلا فحسب، بل تمتد لتشمل مصير النظام الدولي القائم على القانون وتوازن القوى في عالمٍ يبدو أنه يعود بخطى سريعة إلى أشباح الحرب الباردة.

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.