وتُعدُّ هذه الخطوة إحدى أكثر الاستراتيجيات طموحًا لبكين في مسعاها لتحدي وإعادة تشكيل البنية المالية العالمية، عبر تقليص الاعتماد على الدولار وانتزاع مساحة من نفوذ العملة الأميركية من خلال تدويل العملة الرقمية الصينية. وجاء في «توصيات اللَّجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني لصياغة الخطة الخمسية الخامسة عشرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية»: “يجب أن نعمل بوتيرة أسرع لتعزيز قوة الصين في المجال المالي، وأن يستمر تطوير اليوان الرقمي بشكل متواصل.”
حتى الآن، كان «اليوان الرقمي» يعمل بوصفه نقدًا إلكترونيًا موجّهًا أساسًا لعمليات الدفع من دون عائد. أما مع الخطة الجديدة، فيكتسب «اليوان الرقمي» خصائص الودائع المصرفية؛ إذ ستتمكَّن المحافظ الرقمية المُوثّقة من تحقيق فوائد، وفق القواعد المعمول بها للودائع التقليدية، كما ستخضع لنظام تأمين الودائع الصيني. وستحصل المصارف، في المقابل، على مرونة أكبر في إدارة أرصدة «اليوان الرقمي» ضمن عملياتها في جانبي الأصول والخصوم.
وتهدف هذه الإجراءات إلى تسريع انتشار «اليوان الرقمي» في الأسواق العالمية، بما يتيح للصين تقديم بديل موثوق للدولار، وتسهيل التجارة والاستثمار المباشر باليوان، مع إمكانية الالتفاف على نظام المدفوعات القائم على العملة الأميركية. ويأتي ذلك في إطار مسار تدريجي لـ«نزع الدولرة»، وفي سياق جيوسياسي سريع التحوّل، تتعرض فيه الهيمنة المالية والاقتصادية الأحادية للولايات المتحدة لضغوط متزايدة بفعل بروز أنظمة مالية وقوى عالمية جديدة تستلهم نموذجًا متعدِّد الأقطاب. وفي هذا الإطار، قد تجد دول خاضعة لعقوبات أميركية أو غربية، مثل روسيا وإيران، في «اليوان الرقمي» وسيلة لإجراء معاملات مالية خارج نطاق أنظمة الدفع التقليدية المتأثرة بشدَّة بالنفوذ الأميركي.
ويُعدُّ المركز التشغيلي الدولي لليوان الرقمي في «شنغهاي» ركيزة أساسية في خطة تدويل العملة الرقمية الصينية. وقد افتُتح هذا المركز في سبتمبر 2025، وأصبح محورًا رئيسيًا لتدويل «اليوان» إلى جانب ثلاث منصات أساسية: منصة المدفوعات الرقمية العابرة للحدود، ومنصة خدمات البلوك تشين، ومنصة الأصول الرقمية. ووفقًا لصحيفة «غلوبال تايمز»، الناطقة باسم الحزب الشيوعي الصيني، حقَّقت البرامج التجريبية لتطوير «اليوان الرقمي» نتائج إيجابية؛ إذ بلغ إجمالي قيمة المعاملات داخل الصين حتّى نهاية نوفمبر 16.7 تريليون يوان (2.38 تريليون دولار)، بحسب البنك المركزي الصيني، وذلك ضمن اقتصاد إجمالي تبلغ قيمته نحو 19 تريليون دولار. وعلى الصعيد العابر للحدود، سجّلت منصة «جسر العملات الرقمية بين البنوك المركزية» (mBridge) — التي طوَّرتها PBOC بالتعاون مع سلطة النقد في هونغ كونغ وبنوك مركزية أخرى لتسهيل المدفوعات العابرة للحدود باستخدام العملات الوطنية — ما مجموعه 4,047 معاملة دفع بقيمة تراكمية بلغت 387.2 مليار يوان. ويعني ذلك أن «اليوان الرقمي» مَثَّل نحو %95.3 من إجمالي قيم المعاملات متعددة العملات، وفق بيانات البنك المركزي الصيني.
واعتمدت الصين والولايات المتحدة استراتيجيتين متباينتين للهيمنة على القطاع المالي؛ ففي حين حظر الرئيس الأميركي «دونالد ترامب»، بموجب أمر تنفيذي، إنشاء «عملة رقمية سيادية اتحادية» (CBDC)، مفضّلًا الاعتماد الكامل على العملات المستقرة الخاصة الخاضعة لتنظيم «قانون GENIUS»، اختارت الصين الاستثمار في عملة رقمية عامة تتكامل على نحو متزايد مع النظام المصرفي وآليات نقل السياسة النقدية. ويعكس هذا التباين اختلافًا أعمق في الطبيعة الأيديولوجية لنظم الحكم والنماذج الاقتصادية في الغرب والصين.
وتشير خطوة بكين إلى تسارع حاسم نحو ما يُعرف بالنظام متعدد الأقطاب، حيث تتوازن قوى عدة مكوّنة من دول مختلفة، في إطار يقوم على مبدأ سيادة الدول. وهو نموذج مضاد للنظام الأحادي المتمركز حول الولايات المتحدة والعالم الأنغلو-ساكسوني، الذي يتجسد نفوذه إلى حد كبير عبر السيطرة على النظامين النقدي والمالي. وفي هذا السياق، تؤدي الصين دورًا محوريًا، إذ تدفع دولًا أخرى إلى تبنّي نموذجها التكنولوجي، فيما سلكت دول مثل روسيا والصين هذا المسار منذ أكثر من عقد. وبوجه عام، يشمل هذا التوجُّه دول مجموعة «بريكس»، غير أن بكين تطمح إلى قيادة القطاع عبر إرساء «معيار مرجعي» في التقنيات الرقمية الناشئة، لم تنجح أي دولة — بما في ذلك الولايات المتحدة — في بلوغه حتى الآن. وتَعِد الانطلاقة الجديدة لِـ«اليوان الرقمي» بتطورات لافتة في ملامح التوازنات المالية وموازين القوة العالمية المقبلة.

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.