في البداية، اسمحوا لي أن أفتتح كلمتي باقتباس تصريح قوي لـ «ماركو روبيو»، الذي يشغل حاليًا في نظام «دونالد ترامب» منصب وزير الخارجية الثاني والسبعين للولايات المتحدة، والمنتمي للحزب الجمهوري، يقول فيه: “.. دعوني أعود خطوة إلى الوراء. لدينا نفط من فنزويلا، ولدينا ما يكفينا من النفط داخل الولايات المتحدة. ما لن نسمح به هو أن تخضع صناعة النفط في فنزويلا لسيطرة خصوم الولايات المتحدة. علينا أن نفهم لماذا تحتاج الصين إلى نفط فنزويلا، ولماذا تحتاجه روسيا، ولماذا تحتاجه إيران. هذه الدول ليست ضمن القارة الأميركية. نحن هنا في نصف الكرة الغربي، وهذا هو مجالنا الحيوي، ولن نسمح بأن يتحول إلى قاعدة عمليات لخصوم الولايات المتحدة أو لمنافسيها أو لمنافسيها الاستراتيجيين.”
في رأيي الخاص، أرى أن في مطلع مارس أو نهايته، ستتَّضح الصورة: إمَّا أن تكون فنزويلا قد هدأت وخضعت خضوع أنظمة الدول العربية لِواشنطن، أو أن تتحوَّل الأزمة إلى عدوى دائمة ومتفاقمة بالنسبة للولايات المتحدة. أعتقدُ أن هناك احتمالًا كبيرًا بأن تفشل الولايات المتحدة في فرض سيطرتها الكاملة او المرجوة على فنزويلا كما ترغب. فإمكانية الفوضى ستكون كبيرة إلى أن تتَّضح كيفية عمل الحكومة وقدرتها على تلبية الاحتياجات اليومية للمواطنين.
ومرة أخرى، يجب ألا نكتفي بما يحدث في فنزويلا وحدها. ما يجري، في تقديري، جزء من جهد أوسع تقوده الولايات المتحدة حاليًا لجعل عام 2026 عامًا للحرب، إذ لا توجد نية حقيقية لإنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا. هذه الحرب ستُحسًم في ميدان القتال، وستترتَّب على ذلك تداعيات واسعة.
ومن يتابع الاحداث السائدة في الامريكيتين، سيجد أنَّ، عقب اعتقال «نيكولاس مادورو»، وسَّع الرئيس الأميركي «دونالد ترامب» لهجته العدائية لتشمل عدة دول، ما أثار قلقًا بالغًا حول العالم. ففي ما يتعلَّق بكولومبيا، استهدف «ترامب» الرئيس «غوستافو بيترو»، متَّهمًا إيَّاه بالارتباط بتجارة المخدِّرات، ولوَّح بإمكانية التدخُّل العسكري، فيما اعتُبر تهديدًا مبطَّنًا باللُّجوء إلى القوة. أمَّا بشأن كوبا، فقد قال إن البلاد تمرُّ بمرحلة صعبة، محذِّرًا من عواقب قاسية إذا لم تُغيِّر الحكومة سلوكَها، وهو ما فُسّر على أنه تصعيد للضغوط على «هافانا». وبخصوص غرينلاند، عاد ترامب للتأكيد على أهميتها الاستراتيجية للولايات المتحدة، ملمِّحًا إلى احتمال اتِّخاذ خطوات بشأنها، رغم الجدل الواسع ورفض الدنمارك. أمَّا إيران، فقد أطلق «ترامب» تهديدات جديدة، متوعِّدًا برد قاسٍ للغاية إذا استخدمت السلطات الإيرانية القوة المميتة ضد المتظاهرين.
وفي ضوء التطورات الجارية في فنزويلا، يبرز تساؤل: هل يمكن تكرار السيناريو نفسه في إيران؟ وإذا ما تعرَّضت إيران لغزو أميركي، كيف سيكون رد فعل الشرق الأوسط، وكيف ستتصرَّف طهران؟
الإجابة، بحسب التحليل، أن تكرار السيناريو ذاته غير ممكن، فإيران دولة كبيرة جدًا، والتدخُّل فيها سيكون أكثر تعقيدًا بكثير. إلَّا أنَّ احتمال تدخُّل وشيك، وبدرجة كبيرة، من جانب إسرائيل، بدعم من الولايات المتحدة، يظل قائمًا. فَـ «ترامب»، وفقًا لهذا التقدير، يعيش حالة من الزخم والانتصارات المتتالية، ويرى نفسه لاعبًا يربح في كل مرَّة. لكنَّه، في حالة إيران، يحتاج إلى وكيل، وهذا الوكيل هو إسرائيل، مع الأهم من هذه الاخيرة هو الحاجة إلى خائن داخلي عظيم.
وعليه، فإنَّنا نقترب كثيرًا من تدخُّل عسكري جديد ضد إيران. لا يمكن الجزم بعد بشكله، لكنه سيكون تدخلًا عسكريًا. إسرائيل لا تستطيع التحرُّك من دون الولايات المتحدة، وبالتالي سيكون أي تحرُّك جهدًا مشتركًا، وهو يقترب أكثر فأكثر.
ويأتي ذلك في ظل نافذة سياسية يعتبرها «ترامب» مواتية، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر 2026. فهو يرى أنَّ عليه استثمار هذا الزخم الآن، ثم العودة لاحقًا لمعالجة القضايا الداخلية وكسب قاعدته الانتخابية. كما أن انشغال روسيا بالحرب في أوكرانيا، وتراجع أو ضعف حلفاء إيران الإقليميين، يمنحه هامش حركة أوسع.
ويرى محلِّلون أن إيران مستعدَّة للرد، لكنها تعاني في الوقت نفسه من حالة عدم استقرار داخلي. ويُنظَر إلى التصعيد الإعلامي والدعائي الصادر عن طهران في الأسابيع الأخيرة، والذي يبرز استعدادها للحرب مع إسرائيل، على أنه مؤشِّر توتُّر وعصبية أكثر منه تعبيرًا عن ثقة نابعين من هشاشة إيمان. وهذا يثير تساؤلات حول مدى استقرار النظام الإيراني الحالي.
الهجوم على إيران، وفق هذا التصوُّر، بات احتمالًا مرجَّحًا في المدى القريب، وهو ما قد يُشكِّل تجاوزًا جديدًا لـ«خط أحمر» من جانب إسرائيل، مع مخاطر أن يؤدِّي ذلك إلى نتيجة عكسية تتمثَّل في توحيد الشارع الإيراني مجدَّدًا خلف النظام. ويشير التحليل إلى أن إسرائيل تميل إلى المبالغة في تقدير قدراتها، وغالبًا ما تبدأ بالتحرُّك ثم تلجأ لاحقًا إلى الولايات المتحدة عندما تعجز عن الاستمرار منفردةً.
وفي هذا السياق، دعت إسرائيل واشنطن إلى تفعيل التحذيرات الموجَّهة إلى طهران، وسط ترجيحات بتجدٌّد ضربات عسكرية مشابهة لتلك التي استهدفت سابقًا البنية التحتية النووية الإيرانية.
أما بشأن «غرينلاند» الدنماركية، فقد قال «ترامب» في منشور على منصة «إكس» (تويتر سابقًا): «نحن بحاجة فعلية إلى غرينلاند»، معتبرًا ذلك ضروريًا لأمن الولايات المتحدة. ورغم ذلك، يُستبعد أن تكون «غرينلاند» هدفًا وشيكًا، إذ توجد أولويات أخرى في المرحلة الراهنة، مع استغراب من استمرار الدنمارك في شراء مقاتلات F-35 الأميركية رغم هذه التصريحات: ربما تكون قضية غرينلاند بمثابة منوِّم أو تشتيت انتباه.
ويخلص التحليل إلى أنَّ ما جرى في «كاراكاس»، بغض النظر عن الموقف من «مادورو»، يشكِّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، كما حدث سابقًا في «قطاع غزة»، ما يعزِّز الانطباع بأنَّ القانون الدولي بات بلا وزن فعلي. ومع دخول عام 2026، يبدو العالم، وفق هذا الرأي، متَّجهًا نحو مرحلة مقلقة للغاية، حيث تسود شريعة القوة على حساب القواعد الدولية. ما يُفسِّر حجم الاحتجاجات الشعبية الراهنة والقلق المتزايد من مستقبل يُخشى أن يُترك للأجيال القادمة في عالم تحكمه القوة لا القانون.
شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.