وكانت إيطاليا، إلى جانب فرنسا، قد تبنّت موقفًا متحفظًا خلال المفاوضات، دفاعًا عن المزارعين الأوروبيين في مواجهة ما وصفته بالمنافسة غير العادلة، مستخدمة حق النقض كأداة تفاوضية للحصول على قدر أكبر من المرونة ومزيد من التمويل الأوروبي للقطاع الزراعي خلال الفترة 2028–2035.
ومن المنتظر أن تُحسم بنود الاتفاق خلال اجتماع لسفراء وممثلي الدول الأعضاء المقرر عقده يوم الجمعة 9 يناير، على أن يتم التوقيع النهائي في 12 يناير، تزامنًا مع زيارة رئيسة المفوضية الأوروبية «أورسولا فون دير لاين» إلى باراغواي. وباعتبارها ثالث أكبر دولة في الاتحاد الأوروبي من حيث عدد السكان، تمتلك إيطاليا وزنًا حاسمًا في تشكيل الأغلبية المؤهلة اللازمة لتمرير الاتفاق، ما يجعل موقفها محل ترقّب واسع من قبل الشركاء الأوروبيين.
ويأتي هذا التطور في سياق أوروبي منقسم، حيث أبدت عدة دول، من بينها فرنسا وبولندا، تحفظات جدية، لا سيما بشأن تداعيات الاتفاق على القطاع الزراعي. وبعد مفاوضات مطوّلة، عرض الاتحاد الأوروبي حزمة حوافز لدعم المنتجين، من بينها إتاحة مبكرة لتمويلات «السياسة الزراعية المشتركة» (PAC) بقيمة تقارب 45 مليار يورو، بهدف تعويض أي آثار سلبية محتملة ناجمة عن الواردات القادمة من أميركا الجنوبية.
وفي المقابل، تقدّمت حكومة «ميلوني» بمطالب محددة لتعزيز بنود الحماية، من بينها خفض عتبة تفعيل إجراءات الطوارئ من %8 إلى %5 لوقف تدفق المنتجات التي قد تُلحق ضررًا بالأسواق الأوروبية، إضافة إلى المطالبة بإعفاء الأسمدة من الرسوم الجمركية ومن الأعباء الضريبية المرتبطة ب«آلية تعديل حدود الكربون» (CBAM).
Accolgo con soddisfazione la decisione della Commissione Europea di modificare, come richiesto dall’Italia, la proposta di nuovo quadro finanziario pluriennale per rendere disponibili, già dal 2028, ulteriori 45 miliardi di euro per la Politica Agricola Comune.
— Giorgia Meloni (@GiorgiaMeloni) January 6, 2026
Assieme alle…
أما فرنسا، فلم تُبدِ أي ليونة في موقفها، وأعلنت عزمها مواصلة المواجهة، معتبرة أن الاتفاق قد يُعرقل حتى بعد توقيعه في حال عارضه البرلمان الأوروبي. وفي هذا السياق، شهدت باريس صباح الخميس احتجاجات للمزارعين الذين توافدوا بجراراتهم إلى محيط برج إيفل، مطالبين بمزيد من الحماية ووقف الاتفاق.
ورغم تطمينات المؤسسات الأوروبية بشأن الالتزام بالمعايير الصحية والبيطرية والنباتية المعتمدة في الاتحاد الأوروبي بالنسبة لجميع المنتجات المستوردة، لا تزال المخاوف المتعلقة بسلامة الغذاء قائمة بقوة. إذ تحذّر منظمات المستهلكين والهيئات الزراعية منذ سنوات من اعتماد ممارسات ومبيدات وأساليب إنتاج في دول «ميركوسور» غير مسموح بها داخل الاتحاد الأوروبي، ما يثير مخاوف حقيقية من دخول بقايا مواد محظورة إلى الأسواق الأوروبية في ظل ضعف الرقابة.
وقد يسهّل الاتفاق دخول لحوم الأبقار والدواجن ومنتجات زراعية أخرى إلى السوق الأوروبية، رغم إنتاجها وفق معايير أقل صرامة من تلك المعتمدة في الاتحاد. ففي دول «ميركوسور» يُسمح باستخدام «الكائنات المعدلة وراثيًا» (OGM)، ومبيدات مثل «الأترازين» و «الكلورثالونيل» و «الأسيفات»، إضافة إلى هرمونات النمو المحظورة في الاتحاد الأوروبي، ما يخلق اختلالًا تنظيميًا واضحًا في السياسة التجارية الأوروبية.
ويُعد ملف اللحوم البرازيلية مثالًا بارزًا على هذه الإشكاليات، إذ أظهر تدقيق مستقل أُنجز بتكليف من المفوضية الأوروبية صعوبة التأكد من عدم معالجة الأبقار البرازيلية بالإستروجينات، المحظورة في الاتحاد الأوروبي منذ عام 1981 لكونها مواد مسرطنة. كما بيّنت الدراسة أن نحو %30 من المبيدات المرخّصة في البرازيل والأرجنتين محظورة داخل الاتحاد الأوروبي. وتُسجَّل مخاوف مماثلة بشأن الشاي والفواكه الاستوائية والحمضيات، التي غالبًا ما تُزرع باستخدام مبيدات غير قانونية ثم تعود إلى الأسواق الأوروبية فيما يُعرف بـ«تأثير الارتداد».
ويضاف إلى ذلك ملف فول الصويا المعدّل وراثيًا، واسع الإنتاج في البرازيل والأرجنتين، إلى جانب الزيادة المتوقعة في واردات العسل وعصائر الفاكهة من أميركا الجنوبية، ما قد يفرض ضغوطًا كبيرة على سلاسل الإنتاج الأوروبية.
وفي المحصلة، لا يقتصر التصويت النهائي على تقييم المكاسب الاقتصادية المحتملة، بل يتجاوزها إلى مخاطر تتعلق بسلامة الغذاء واحترام المعايير الصحية الأوروبية. فطمأنة المفوضية الأوروبية لم تنجح حتى الآن في تبديد مخاوف المستهلكين والمنتجين، في ظل تحذيرات من أن الاتفاق قد يضع مبدأ الوقاية المعتمد في الاتحاد الأوروبي أمام اختبار صعب، محوّلًا تحرير التجارة إلى احتمال تراجع في مستويات الحماية الصحية للمواطنين.

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.