وأعلن مجلس «الاتحاد الأوروبي»، وهو الهيئة التي تتقاسم السلطة التشريعية مع «البرلمان الأوروبي»، يوم الجمعة، موافقته الرسمية على الاتفاق مع «ميركوسور»، الذي يضمُّ كلًا من الأرجنتين وبوليفيا والبرازيل وباراغواي وأوروغواي. وجاء هذا القرار تتويجًا لتصويت غير رسمي جرى قبل ساعات في «بروكسل» بين سفراء الدول الأعضاء، وكان يُعدّ الأكثر حساسيةً وأهمِّيةً، إذ عُقد في ختام مفاوضات معقدة وبعد التأكُّد من توافر الدعم الكافي لتمرير الاتفاق.
ولكي يدخل الاتفاق حيِّز التنفيذ، يتعيَّن الآن توقيعه من قبل رئيسة «المفوضية الأوروبية»، «أورسولا فون دير لاين»، المعروفة بدعمها له، ثم المصادقة عليه في تصويت نهائي داخل «البرلمان الأوروبي»، الذي يُتوقَّع أن ينسجم مع قرار المجلس.
Today’s Council decision to support the EU-Mercosur deal is historic.
Europe is sending a strong signal.
We are serious about creating growth, jobs and securing the interests of Europeans consumers and businesses.
With Mercosur, we are creating a shared market of 700 million… pic.twitter.com/WMGXWzFgua
وجاءت هذه الموافقة بعد أكثر من عشرين عامًا من المفاوضات، وسنة كاملة من الاعتراضات التي أبدتها عدَّة دول أعضاء خشية أن يلحق الاتفاق ضررًا بقطاعاتها الزراعية. وقد صوَّتت كل من فرنسا وبولندا والنمسا وإيرلندا والمجر ضد الاتفاق، فيما اختارت بلجيكا الامتناع عن التصويت، إلَّا أنَّ هذه المواقف لم تكن كافيةً لعرقلة تمريره.
وكان اعتماد الاتفاق يتطلَّب موافقة ما لا يقل عن 15 دولة تمثل 65 في المئة من سكَّان «الاتحاد الأوروبي»، وهو ما تَحقَّق بفضل التصويت الإيجابي لإيطاليا، التي كانت حتّى وقت قريب من بين أشدِّ المعارضين. وقد حال الثقل السياسي والديمغرافي لكل من فرنسا وإيطاليا سابقًا من دون إجراء التصويت، غير أنَّ «روما» غيَّرت موقفها خلال الأسابيع الأخيرة بعد حصولها على تنازلات إضافية من رئيسة «المفوضية الأوروبية».
وتتمثَّل هذه التنازلات في مسارين رئيسيين. الأول يتعلق بإدراج حزمة من «بنود الحماية» الإضافية في الاتفاق، تهدف إلى حماية المنتجين الأوروبيين، وقد جرى التفاوض بشأنها في الأسابيع الماضية. ويؤكِّد مزارعون ومُرَبُّو ماشية أوروبيون، خصوصًا في قطاع اللُّحوم، أنَّ دول «ميركوسور» قد تمارس منافسة غير عادلة بسبب انخفاض كلفة الإنتاج لديها، نتيجة عدم خضوعها للمعايير الصحية والبيئية الصارمة المعمول بها في «الاتحاد الأوروبي».
ولتفادي هذا السيناريو، تنص هذه البنود — التي لا تزال بحاجة إلى مصادقة البرلمان الأوروبي — على منح «المفوضية الأوروبية» صلاحية فتح تحقيقات والتدخُّل في السوق الأوروبية إذا ما تسببت إزالة الرسوم الجمركية على واردات «ميركوسور» في أضرار ملموسة للمنتجين الأوروبيين. وعمليًا، يتعيَّن على «المفوضية» التدخُّل إذا ارتفعت واردات بعض «المنتجات الحسَّاسة»، مثل اللحوم، بنسبة 5 في المئة خلال ثلاث سنوات، وتراجعت أسعارها في السوق الأوروبية بالنسبة نفسها. وقد جرى اعتماد نسبة 5 في المئة بناءً على طلب الدول المعارضة للاتفاق، ومن بينها إيطاليا سابقًا، بدلًا من نسبة 10 في المئة التي اقترحتها «المفوضية».
أما التنازل الثاني، وهو أقل تفصيلًا وسيخضع لمفاوضات لاحقة، فقد كان العامل الحاسم في تغيير الموقف الإيطالي خلال الأيام الأخيرة، بعد إبداء روما انفتاحًا أوليًا في ديسمبر الماضي. إذ تعهَّدت «فون دير لاين» بإبداء مرونة أكبر في استخدام أموال «الاتحاد الأوروبي» المخصَّصة للزراعة خلال دورة الميزانية للفترة 2028–2035، بما يتيح توجيه موارد إضافية لهذا القطاع على حساب قطاعات أخرى.
ويعني ذلك عمليًا تعديل آليات صرف أموال «السياسة الزراعية المشتركة» (PAC)، التي تُعدُّ من أكبر بنود الميزانية الأوروبية. وتنص مقترحات «فون دير لاين» على إتاحة إنفاق كامل مخصَّصات السياسة الزراعية، البالغة 293.7 مليار يورو، منذ السنة الأولى من دورة الميزانية المقبلة، من دون انتظار مراجعة منتصف المدة في عام 2032، حيث تُفرج عادةً أجزاء من الأموال المشروطة وتُعاد توزيعها.
وكانت رئيسة الوزراء الإيطالية «جورجا ميلوني» قد اعتبرت، الثلاثاء الماضي، أنَّ هذا الإجراء سيضيف 45 مليار يورو إلى السياسة الزراعية المشتركة، في حين أنَّه في الواقع لا يعدو كونه تقديمًا زمنيًا لأموال كانت ستُصرَف أصلًا، ولكن على مدى أطول.
من جهته، رحَّب الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون» مبدئيًا بالقرار نفسه، إلا أنه حافظ، على عكس إيطاليا، على موقفه الرافض للاتفاق. وكتب في بيان صدر الخميس أن «تقدُّمًا لا يمكن إنكاره» قد تَحقَّق، لكنَّ «الرفض السياسي للإتفاق لا يزال شبه إجماعي» داخل فرنسا، ما حال دون تصويتها لصالحه.
وجرى إقرار الاتفاق في وقت شهدت فيه عدة مدن أوروبية خلال الأيام الماضية احتجاجات واسعة للمزارعين. وشهدت مدينة «ميلانو»، يوم الجمعة، إحدى هذه التظاهرات، حيث أقدم محتجون على سكب الحليب أمام مبنى «بيريلُّوني»، أحد أبرز معالم المدينة ومقر المجلس الإقليمي لإقليم «لومبارديا».

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.