وبحسب المقترح، سيُخصّص 60 مليار يورو للدعم العسكري في مواجهة روسيا، فيما ستُوجَّه 30 مليار يورو إلى ميزانية الدولة الأوكرانية لضمان استمرارية الخدمات العامة والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي. وفي الأثناء، بدأت بالفعل مناقشات حول إمكانية تقديم جزء من هذه الأموال خلال الربع الأول من العام الجاري، لسد العجز المالي الذي تواجهه «كييف» حاليًا.
وأكدت رئيسة «المفوضية الأوروبية»، «أورسولا فون دير لاين»، أن القرار “يعكس التزام أوروبا الثابت بأمن أوكرانيا ودفاعها وازدهارها المستقبلي.” ويتعيّن على «البرلمان الأوروبي» و «مجلس الاتحاد الأوروبي» دراسة المقترح والموافقة عليه قبل دخوله حيّز التنفيذ، مع احتمال بدء صرف الدفعات اعتبارًا من أبريل، إذا سمحت الإجراءات المؤسسية بذلك.
من جانبه، قال المفوض الأوروبي للاقتصاد والإنتاجية، «فالديس دومبروفسكيس»: “ندرك أن الاحتياجات المالية لأوكرانيا كبيرة وملحّة، ولهذا نعتزم البدء بصرف الأموال في أبريل.”
وسيُموَّل القرض عبر دين أوروبي مشترك، على أن لا تُطالب أوكرانيا بسداد أي مبالغ إلى أن تدفع روسيا تعويضات محتملة عن أضرار الحرب. ولضمان الإجماع اللازم لإقرار الخطة، جرى إعفاء المجر وسلوفاكيا وجمهورية التشيك من تقديم ضمانات للدين المشترك، ما يعني أن حصصها، المقدّرة بنحو 3 إلى 4 مليارات يورو سنويًا، ستتحمّلها الدول الأعضاء الأربع والعشرون الأخرى.
ويستند سداد القرض إلى فرضيات توصف بالهشّة، إذ يعتمد على تطورات جيوسياسية غير متوقعة، وعلى احتمال اعتراف موسكو بالمسؤولية وقبولها دفع تعويضات، وهو سيناريو يبدو بعيد المنال في الوقت الراهن. وتأتي هذه العملية في سياق عبء مالي متزايد، إذ بلغ إجمالي ما حشدته مؤسسات «الاتحاد الأوروبي» ودوله الأعضاء لصالح أوكرانيا منذ اندلاع النزاع نحو 193.3 مليار يورو، شملت مساعدات عسكرية ومالية وإنسانية.
وتُعد مسألة مصادر التوريد والقيود على المشتريات العسكرية من أكثر القضايا السياسية إثارة للجدل. فقد جدّدت «فون دير لاين»، كما كانت قد صرّحت في نوفمبر الماضي، التأكيد على أن “المساعدة العسكرية تمكّن أوكرانيا من الصمود بقوة أمام روسيا، وفي الوقت نفسه تعزّز اندماجها في القاعدة الصناعية الدفاعية الأوروبية.”
ويتضمن القرض بند «صُنع في أوروبا»، الذي ينص على أن تأتي %65 على الأقل من الإمدادات من صناعات أوروبية أو أوكرانية، مقابل %35 كحد أقصى من دول ثالثة، في حال عدم توافر المعدات داخل القارة. غير أن الانقسام يسود بين الدول الأعضاء، إذ تطالب ألمانيا وهولندا بمزيد من المرونة، بما في ذلك احتمال تخصيص ما يصل إلى 15 مليار يورو لشراء معدات من خارج «الاتحاد الأوروبي»، عبر قنوات من بينها حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لاقتناء أسلحة أميركية.
وخلال قمة عُقدت في 18 أغسطس 2025 في «البيت الأبيض»، وقّعت أوكرانيا اتفاقًا لشراء أسلحة أميركية بقيمة 100 مليار دولار بتمويل أوروبي، مقابل ضمانات أمنية لما بعد السلام، وفق ما كشفته صحيفة «فايننشال تايمز» وأكده الرئيس الأوكراني «فولوديمير زيلينسكي» لاحقًا. وفي نوفمبر الماضي، وافقت الولايات المتحدة على صفقة جديدة لتزويد أوكرانيا بأسلحة بقيمة 105 ملايين دولار، ركزت على دعم أنظمة «باتريوت»، وتشمل حزمًا متكاملة من قطع الغيار والتحديثات البرمجية والدعم اللوجستي والتدريب.
وبذلك، قد يذهب جزء كبير من قرض «الاتحاد الأوروبي» البالغ 60 مليار يورو إلى الشركات الأميركية، لتمويل أنظمة مستخدمة بالفعل، عبر عقود يسمح بها الإطار الأوروبي صراحة. وهو ما يطرح تساؤلات حول مفهوم «الاستقلالية الاستراتيجية» الذي ترفعه «بروكسل»، في وقت يواصل فيه الاتحاد تمويل سلاسل صناعية خارجية وتعميق اعتماده التكنولوجي والعسكري على الولايات المتحدة.
ويُفضي هذا المسار إلى التزام مالي طويل الأمد، من دون ضمانات ملموسة لاسترداد الأموال المصروفة، في حين يبقى عبء الدين واقعًا بالكامل على دافعي الضرائب الأوروبيين، بينما قد تنتقل القيمة المضافة والأرباح إلى خارج القارة. وبهذا، يجد «الاتحاد الأوروبي» نفسه في موقع الضامن المالي لصراع لا يملك أدوات إدارته، ويسهم، في الوقت ذاته، في إطالة أمده.

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.