وتنص المرحلة الجديدة على إنشاء لجنة وطنية لإدارة «قطاع غزة»، تتولَّى تسيير الشؤون اليومية للقطاع خلال فترة انتقالية يُفترض أن تمتد حتى نهاية عام 2027، مع إطلاق عملية شاملة لنزع السلاح وإعادة الإعمار، تبدأ بتجريد جميع «العناصر غير المخوّلة» من السلاح. وفي الوقت نفسه، أعلنت إسرائيل، متجاهلة البنود الأميركية المعلنة، عن عمليات عسكرية واسعة جديدة في القطاع، تهدف إلى توسيع نطاق سيطرتها الميدانية.
ومن المقرَّر أن يُعقَد الاجتماع الأول للجنة الوطنية، المؤلفة من 15 شخصية فلسطينية برئاسة علي شعث، نائب وزير التخطيط السابق في السلطة الفلسطينية، اليوم في القاهرة داخل مقر السفارة الأميركية. وأوضحت مصادر مصرية أن المقر المؤقَّت للجنة الفنية الفلسطينية سيكون خارج «قطاع غزة»، على أن يُنقَل إلى القطاع «بعد الانسحاب الإسرائيلي». وستعمل اللَّجنة تحت إشراف ما يُسمى «مجلس السلام»، الذي سيرأسه «ترامب» شخصيًا، ويضمُّ مراقبين دوليين لم يُكشف بعد عن تركيبتهم.
وقال «ويتكوف» إنَّ «الولايات المتحدة تتوقَّع من «حماس» الالتزام الكامل بتعهُّداتها، بما في ذلك إعادة آخر رهينة متوفى فورًا، وإن عدم الالتزام سيترتَّب عليه عواقب وخيمة». في المقابل، أفاد المكتب الإعلامي لحكومة «قطاع غزة» بتسجيل أكثر من 1190 خرقًا إسرائيليًا لوقف إطلاق النار منذ بدء الهدنة في أكتوبر، من دون أن تحظى هذه الانتهاكات بتغطية مماثلة. كما لا يُسلَّط الضوء على مقتل ما لا يقل عن 400 فلسطيني في القطاع خلال الأشهر الثلاثة الماضية، بينهم أكثر من 100 طفل، فضلًا عن تدمير أكثر من 2500 وحدة سكنية إضافية.
وأعلنت حركتا «حماس» و «الجهاد الإسلامي»، يوم الأربعاء، عن دعمهما للَّجنة التكنوقراطية، كما أيدت السلطة الفلسطينية في «الضفة الغربية» الخطوة ذاتها، مع التأكيد على ضرورة «ربط مؤسسات السلطة الفلسطينية في «الضفة الغربية» و «قطاع غزة»، دون إنشاء ترتيبات إدارية أو قانونية أو أمنية تعزز الازدواجية أو الانقسام أو التجزئة، وبما يُكرِّس مبدأ النظام الواحد، والقانون الواحد، والسلاح الشرعي الواحد». كما شددت رئاسة السلطة على ضرورة اتخاذ إجراءات متوازية في «الضفة الغربية»، التي تتعرض لهجمات متواصلة من الجيش الإسرائيلي والمستوطنين.
وأكدت «حماس» على أنها، التزامًا بالاتفاقات، لا تعتزم تولي أي دور في السلطة الحاكمة المستقبلية في «قطاع غزة»، وأنها ستقتصر على دور رقابي، لكنَّها لم توافق بعد على تسليم سلاحها بالكامل. ويعزو مراقبون هذا الموقف إلى انعدام الثقة بإسرائيل، لا سيما بعد إعلان «تل أبيب» قبل أيام عن إعداد «خطط لإطلاق عمليات عسكرية مكثَّفة جديدة في «قطاع غزة» خلال مارس»، تشمل هجومًا مركزًا على مدينة «غزة» يهدف إلى دفع خط التماس الخاص بوقف إطلاق النار باتجاه ساحل القطاع، بما يوسّع السيطرة الإسرائيلية.
ويأتي ذلك في تناقض واضح مع «المرحلة الثانية» من خطة «ترامب»، التي تنصُّ على انسحاب الجيش الإسرائيلي من «قطاع غزة» ونشر قوات أجنبية لتولي مهام حفظ السلام. وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» قد وصف بدء المرحلة الجديدة بأنه إجراء «شكلي» و«رمزي»، مؤكدًا أنه لا يغيّر الخطط الإسرائيلية في «قطاع غزة». وفي بيان نُشر على وسائل التواصل الاجتماعي، قال مكتب «نتنياهو» إن «استعادة ران تمثل أولويتنا القصوى»، مضيفًا أن إنشاء اللَّجنة التكنوقراطية «لن يؤثر على الجهود» الرامية إلى إعادة رفات «غيفيلي» إلى إسرائيل، في خطاب يرى فيه مراقبون تمهيدًا لمواصلة خرق الهدنة.
عمليًا، لم تُحترم الاتفاقات المعلنة بشكل كامل منذ البداية، إذ لم تتوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية، فيما تواصل الحكومة الإسرائيلية عرقلة دخول جزء كبير من المساعدات الإنسانية المتفق عليها. كما تتواصل الضغوط على السكان عبر طرد ما لا يقل عن 37 منظمة غير حكومية من «قطاع غزة» و «الضفة الغربية»، إضافة إلى استمرار إغلاق «معبر رفح».
المرحلة الثانية و«مجلس السلام» لِـ «ترامب»
انطلقت المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر، وشملت تبادل الأسرى الإسرائيليين المحتجزين لدى حماس وحلفائها مع معتقلين فلسطينيين لدى إسرائيل. وفي إطارها، أعادت القوات الإسرائيلية انتشارها على ما يُعرف بـ**«خط الهدنة الأصفر» (Yellow Line)**، الذي أبقى لإسرائيل السيطرة على معظم أراضي القطاع.
وفي هذه المرحلة الثانية، سيُشرف على عمل اللَّجنة الفلسطينية الانتقالية الدبلوماسي البلغاري «نيكولاي ملادينوف»، وهو مسؤول أممي سابق يتمتع بخبرة واسعة، إذ شغل منصب مبعوث الأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط بين عامي 2015 و2020، وأجرى خلال تلك الفترة محادثات مع مسؤولين إسرائيليين وفلسطينيين، ويحظى باحترام واسع في المنطقة.
وسيُقدِّم «ملادينوف» تقاريره إلى «مجلس السلام» الذي يرأسه «ترامب»، والمتوقع أن يضم عددًا من قادة العالم، على أن يُعلن عن أسمائهم خلال الأيام المقبلة. وتشير تقديرات إلى إمكانية الإعلان الرسمي عن المجلس الأسبوع المقبل على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في «دافوس». ولا يزال رئيس الوزراء البريطاني الأسبق «توني بلير» من أبرز الأسماء المطروحة للعب دور محوري في مستقبل قطاع غزة، مع ترجيحات بانضمامه إلى اللجنة التنفيذية للمجلس. كما يُتوقع أن يشارك ممثلون عن إيطاليا وألمانيا، في حين تبدو إسرائيل مصممة على استبعاد تركيا من هذا المسار.
وتبدأ المرحلة الجديدة في ظل قدر كبير من الغموض: فلا تزال آلية عمل اللجنة الوليدة غير واضحة، كما يبقى التساؤل قائمًا حول مدى استعداد إسرائيل لعدم عرقلتها. وفي الخلفية، تفرض الملف الإيراني نفسه بوصفه العامل الأثقل في المشهد الإقليمي. ويرى مراقبون أن مستقبل المنطقة القريب بات مرتبطًا بهذا الملف، وسط مخاوف من تصعيد واسع قد يصرف انتباه «واشنطن»، والعالم، عن القضية الفلسطينية، ويمنح «تل أبيب» هامشًا أوسع لمواصلة تدمير «قطاع غزة» وإحكام السيطرة عليه.

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.