وخلال هذه السنوات، مرَّ عبر المعتقل أكثر من 780 محتجَزًا، أُوقفوا في دول مختلفة، ولا سيما في باكستان وأفغانستان، للاشتباه بارتباطهم بِـ «تنظيم القاعدة»، المتَّهم بتنفيذ هجمات عام 2001 على «نيويورك» و «واشنطن».
وفي الوقت الراهن، تسعى إدارة الرئيس الأميركي «دونالد ترامب» إلى تحويل القاعدة التي يقع فيها السجن إلى مركز احتجاز ضخم للمهاجرين، وهو مشروع يواجه عقبات كبيرة، سواء على الصعيدين العملي أو القانوني.
وبقيت الغالبية العظمى من المعتقلين الذين نُقلوا إلى «غوانتانامو» محتجزين لسنوات طويلة، وفي بعض الحالات لعقود، من دون توجيه أي تهم رسمية إليهم، وبالتالي من دون صدور أحكام قضائية بحقهم. وكانت إدارة «بوش» ترى أن هؤلاء السجناء لا يتمتَّعون بالحقوق الكاملة التي تُمنح عادة للمحتجزين الجنائيين أو لأسرى الحرب، ما يبرِّر – بحسب هذا المنطق – احتجازهم لفترات طويلة من دون توجيه اتِّهامات.
غير أن هذا الطرح واجه انتقادات واسعة من خبراء في القانون الدولي، من بينهم لجنة تابعة للأمم المتحدة تناولت في عام 2023 قضية «أبو زبيدة»، وهو رجل فلسطيني اعتُقل في باكستان عام 2002 ونُقل إلى «غوانتانامو» عام 2006، للاشتباه في كونه أحد القيادات البارزة في «تنظيم القاعدة»، وهو ادِّعاء ثبت لاحقًا عدم صحته.
وبعد مرور أكثر من عشرين عامًا، لا يزال «أبو زبيدة» محتجَزًا في «غوانتانامو» من دون توجيه أي اتِّهامات رسمية إليه، ليُعدّ من بين من يُطلق عليهم وصف «السجناء إلى الأبد». كما يُعدّ من أوائل المعتقلين الذين كشفوا عن استخدام «وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية» (CIA) أساليب استجواب قاسية بحق المحتجزين، في إطار برنامج اعتُبر لاحقًا مثالًا بارزًا على الانتهاكات المرتبطة بـ«الحرب على الإرهاب».
![]() |
| سجين يصلّي داخل السجن، 6 يونيو 2018 |
في عام 2009، وصفت إدارة الرئيس الأميركي الأسبق «جورج دبليو بوش» نفسها سجن «غوانتانامو» بأنه «مختبر قتال» (Battle Lab)، في إشارة إلى استخدامه كموقع تجريبي لما عُرف بـ«تقنيات الاستجواب المعززة». وشملت هذه الأساليب الإيهام بالغرق (ووتر بوردينغ)، والحرمان من النوم، والإعطاء القسري للعقاقير، إلى جانب أشكال أخرى من الانتهاكات، بما فيها اعتداءات جسدية ونفسية وجنسية، كان من الصعب إخفاؤها لو نُفذت داخل سجن أميركي تقليدي، فضلًا عن كونها غير قانونية.
وفي عام 2023، أنجز المعتقل الفلسطيني «أبو زبيدة» سلسلة من الرسومات لتوثيق ما تعرض له خلال احتجازه. وقبل أيام، حصل على تعويض مالي من المملكة المتحدة بعد أن تمكن من إثبات تورُّط أجهزة الاستخبارات البريطانية في مساعدة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) على تعذيبه.
وفي السياق ذاته، يؤكد محامو خمسة رجال متهمين بالتخطيط وتنفيذ هجمات 11 سبتمبر 2001، والمحتجزين في «غوانتانامو»، أن الاعترافات المنسوبة إلى موكليهم لا تتمتع بأي قيمة قانونية، كونها انتُزعت بالقوة بعد سنوات من التعذيب. ولا تزال محاكمتهم، التي تُعد من أطول وأكثر القضايا تعقيدًا في تاريخ القضاء الأميركي، عالقة في مراحلها التمهيدية.
وفي عام 2023، قضت محكمة عسكرية بعدم أهلية أحد المتهمين، «رمزي بن الشيبة»، للمحاكمة، معتبرة أن التعذيب الذي تعرض له أثناء احتجازه أدى إلى إصابته باضطرابات عقلية دائمة.
وقبل نحو ثلاث سنوات، زار ممثل عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر سجن «غوانتانامو» برفقة وفد من «الأمم المتحدة»، في الزيارة الثانية من نوعها خلال عشرين عامًا. وذكر في تقريره أنه لاحظ على المعتقلين مؤشرات واضحة على «الشيخوخة المبكرة» نتيجة الظروف الجسدية والنفسية القاسية التي يعيشون فيها. كما أفادت المفتشة الأممية التي رافقته بأن المحتجزين تحدثوا عن صدمات نفسية مزمنة، وحالات مستمرة من الخوف والقلق، ناجمة عن الانتهاكات التي تعرضوا لها.
![]() |
| الرئيس باراك أوباما يوقّع الأمر التنفيذي الذي كان يهدف إلى إغلاق غوانتانامو، 22 يناير 2009 |
في عام 2009، أصدر الرئيس الأمريكي «باراك أوباما» الأمر لأول مرة بإغلاق سجن «غوانتانامو». ومع ذلك، كان تنفيذ ذلك معقدًا، لأن السجناء في السجن لا يمكن نقلهم إلى الولايات المتحدة (وفي عام 2015 صوّت الكونغرس لمنع ذلك)، ولإعادتهم إلى بلادهم أو نقلهم إلى دول ثالثة تحتاج العملية إلى اتفاقيات ثنائية معقدة لم تنجح دائمًا. مع مرور الوقت، تم تفريغ السجن تدريجيًا، بناءً على قرارات الرؤساء الذين تلاوا «بوش»: أوباما، «جو بايدن»، و «دونالد ترامب».
اليوم، يوجد في «غوانتانامو» 15 سجينًا تتراوح أعمارهم بين 46 و64 عامًا، وفي بعض الحالات هم هناك منذ افتتاح السجن. اثنان منهم حكمت عليهما محكمة عسكرية، أما الآخرون فبينما هم في انتظار المحاكمة أو النقل. يعمل في السجن 800 موظف، وتكاليف إدارة كل سجين مرتفعة جدًا. ووفق تقدير أعدّته «نيويورك تايمز» عام 2019 (عندما كان عدد السجناء 40)، كانت التكلفة السنوية لكل سجين تبلغ 13 مليون دولار. واليوم، أصبحت التكاليف أعلى من ذلك بكثير.
خطط ترامب لغوانتانامو: من معتقل إرهاب إلى مركز احتجاز للمهاجرين
![]() |
| الواجهة الخارجية لبرج المراقبة في سجن غوانتانامو، عام 2019 |
في عام 2018، وخلال ولايته الرئاسية الأولى، وقَّع «دونالد ترامب» أمرًا تنفيذيًا يقضي بالإبقاء على سجن «غوانتانامو» مفتوحًا. وفي يناير 2025، عقب تنصيبه لولاية ثانية، طرح خطة لتحويله إلى مركز احتجاز ضخم للمهاجرين.
وبحسب هذه الخطة، كان من المفترض أن تستوعب منشآت «غوانتانامو» ما يصل إلى 30 ألف شخص جرى ترحيلهم من الولايات المتحدة، على أن يتم احتجازهم ليس داخل السجن نفسه، بل في مرافق تقع ضمن القاعدة العسكرية الأميركية، التي كانت تضمُّ سابقًا مساحات مخصَّصة لإيواء المهاجرين الذين جرى إنقاذهم في عرض البحر.
وفي فبراير، نُقل أول فوج من المهاجرين إلى «غوانتانامو»، قبل أن يُعاد ترحيلهم بعد فترة وجيزة. وفي يونيو، كشفت تقارير لصحيفتي «بوليتيكو» و«واشنطن بوست» عن خطة غير رسمية لإدارة ترامب تقضي بنقل نحو 9 آلاف مهاجر ومقيم غير نظامي إلى «غوانتانامو»، من بينهم مواطنون من دول في الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك إيطاليون. غير أن الصحيفتين عادتا لاحقًا وأفادتا بتعليق الخطة، قبل أن يغيب أي تحديث رسمي بشأنها.
ويواجه المشروع تحديات متعددة، في مقدمتها العقبات القانونية. فمرافق «غوانتانامو»، على سبيل المثال، غير مهيأة لاحتجاز النساء والأطفال. وفي مارس، رفعت «الاتحاد الأميركي للحريات المدنية» (ACLU)، وهي منظمة بارزة للدفاع عن الحقوق والحريات الفردية، دعوى قضائية ضد الإدارة الأميركية، معتبرة أن نقل المهاجرين إلى كوبا يفتقر إلى المبرِّر القانوني، ويمثل عبئًا ماليًا ضخمًا على المال العام.
وبحسب تقديرات أعدّتها المعارضة استنادًا إلى معلومات محدودة قدمتها إدارة «ترامب»، فإن تكلفة احتجاز الشخص الواحد في «غوانتانامو» قد تصل إلى نحو 100 ألف دولار.
وفي أكتوبر، قضى قاضٍ فيدرالي بأن الحكومة تمتلك الصلاحية القانونية لتنفيذ عمليات النقل، غير أن القضية لا تزال منظورة أمام القضاء. وخلال العام الماضي، مرّ عبر «غوانتانامو» نحو 770 مهاجرًا من أصل 30 ألفًا كان مخططًا استقبالهم، فيما لا تتوافر أرقام دقيقة بشأن عدد المحتجزين هناك في الوقت الراهن.




شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.