في الآونة الأخيرة، نشر الحساب الرسمي للبيت الأبيض منشورا يسخر من اللغة الرسمية المتخشّبة التي تميّز بيانات «الاتحاد الأوروبي». ويظهر في المنشور «دونالد ترامب» من الخلف، وأمام نافذة تُطل على خريطة «غرينلاند»، مع تعليق يدعو إلى «مراقبة الوضع»—وهي الصيغة المعتادة التي تستخدمها مؤسسات «الاتحاد الأوروبي» عند اندلاع أزمة ما في العالم، بغضّ النظر عن طبيعتها.
Tap to monitor the situation. pic.twitter.com/eMCwc6sE3e
— The White House (@WhiteHouse) January 13, 2026
وفي هذا السياق، كان فريق «ترامب» يلمّح إلى طموحاته تجاه «غرينلاند»، وإلى أن «الاتحاد الأوروبي» سيبقى في موقع المتفرّج. وقد بات الأسلوب الرسمي المفرط، الذي يبدو في كثير من الأحيان فارغا من المضمون، رمزا لعدم فاعلية الاتحاد، خصوصا في النقاشات الرقمية، إذ نادرا ما تُترجم البيانات إلى أفعال ملموسة.
ولا يقتصر هذا الانطباع على المتخصصين، إذ ساهمت صفحة على «إكس» في تكريس هذا النمط وتحويله إلى «ميم». الصفحة موجودة منذ عام 2014 وتحمل اسم «?Is EU Concerned» أي «هل الاتحاد الأوروبي قَلِق؟». والسؤال ساخر بطبيعته، إذ إن الإجابة غالبا ما تكون «نعم». غير أن الصفحة تعيد نشر التصريحات مع التركيز على الصفات أو المفردات المصاحبة لكلمة «قلق»، والتي تتناقض حدّتها اللغوية مع خطورة الوقائع على الأرض.
ومغزى ذلك أن «الاتحاد الأوروبي» يكتفي—وفق تدرجات لغوية متعددة: «قلق للغاية»، «قلق بعمق»، «قلق بجدية»، «قلق بشدة»—بالتعبير عن القلق، ثم ينتهي الأمر عند هذا الحد.
Monitoring https://t.co/8QQyHBCl9f
— Is EU Concerned? (@ISEUConcerned) January 11, 2026
ولم يقتصر هذا النهج على ملف «غرينلاند»، بل شمل أحداثاً أخرى حديثة، من بينها القمع غير المسبوق للاحتجاجات في إيران، وقبل ذلك توقيف الرئيس الفنزويلي «نيكولاس مادورو» على يد الولايات المتحدة. ففي هذه الحالات، بدا أن الرد الأوروبي يبدأ وينتهي بالبيانات.
وقد أثار ملف فنزويلا تعليقات واسعة، خاصة أن حسابات «المفوضية الأوروبية» نشرت، في اليوم التالي للعملية الأميركية، منشورا—يبدو أنه كان مُعدّا مسبقا ولم يُسحب—يتحدث عن العودة من العطلات وإمكانية استرداد تكاليف الرحلات الجوية أو القطارات الملغاة بفضل تشريعات حماية المستهلك الأوروبية.
Closely monitoring https://t.co/rbM0nC6Ur5
— Is EU Concerned? (@ISEUConcerned) January 3, 2026
وأعطى ذلك الانطباع بأن المفوضية منفصلة عن الواقع، على نحو يشبه البيانات التي توثقها صفحة «?Is EU Concerned». وتكمن شعبية الصفحة في كشفها آلية متكررة، لكنها تعكس أيضا حقيقة موضوعية: صعوبة أن يكون «الاتحاد الأوروبي» فاعلاً ومسموعا كطرف عالمي، وعجزه—في كثير من الأحيان—عن مجاراة تحركات «ترامب» التي باغتته أو همّشته.
ويقول المحلل «جاكوب فونك كيركيغارد»، من مركز «بروغل» البحثي، إن «جزءا من الإحباط يعود إلى القيود المؤسسية البنيوية للاتحاد». ويرى «كيركيغارد» أن «الميم قاسٍ بعض الشيء»، لأن الاتحاد لا يمتلك صلاحيات حقيقية في كثير من ملفات السياسة الخارجية التي يُنتظر تدخله فيها، كما يتأثر بانقسامات الدول الأعضاء.
''America and China have AI programs but the EU has plastic bottles''
byu/Knownoname98 interriblefacebookmemes
وبعيداً عن البعد المؤسسي، نجحت صفحة «?Is EU Concerned» لأسباب تتعلق بطبيعة وسائل التواصل الاجتماعي. وتشرح «جوليا جورجي»، الباحثة في علم الاجتماع الثقافي بجامعة ميلانو، أن تكرار الصيغة خلق ما يشبه «قالبا» ثابتا: «إنه يفضح خواء هذه الكلمات؛ لغة شديدة النمطية ومستهلكة».
Condemns in strongest possible terms https://t.co/rEmG4RxZVP
— Is EU Concerned? (@ISEUConcerned) September 10, 2025
وتضيف أن تعبير «القلق» يُستخدم غالبا لإظهار التعاطف، بينما الرسالة الفعلية هي: «لا يهمّنا الأمر». ولتوضيح المعنى، تشبّه «جورجي» هذه البيانات بكنيسة تقول إنها «تصلي» من أجل إنهاء الحروب.
ويتقاطع هذا الخطاب مع ميمات أخرى تصوّر «الاتحاد الأوروبي» كتكتل أضعف من غيره، منشغل بقضايا ثانوية نسبيا، وعاجز عن الابتكار في عالم باتت موازين القوة فيه أكثر ارتباطاً بالصلابة والنفوذ.
من جهته، يرى فابيو ماوري أن أحد أسباب فاعلية صفحة ?Is EU Concerned هو بساطتها الشديدة. و«ماوري»، وهو مؤسس صفحة «DG Meme»—إحدى أشهر صفحات الميمات المعنية ب«الاتحاد الأوروبي»—يؤكد أن لغة البيانات الأصلية لقادة ومسؤولي الاتحاد لها ما يبررها دبلوماسيا، إذ إن الفروق الدقيقة في المصطلحات ذات دلالة؛ فمثلاً يوحي وصف اجتماع بأنه «صريح» بأنه لم يكن ناجحا. غير أن هذه اللغة، بحسب «ماوري»، غير مناسبة للجمهور العام أو لوسائل التواصل: «إنها نفيٌ للتواصل؛ فأنت تعرف مسبقاً ما سيقوله التغريد، ولا حاجة لقراءته».
“If there were a fire someday, firefighters would intervene — so better burn the house now.”
“If a shark might attack someday, intervention would follow — so better eat the lifeguard now.”
“If there were a crash someday, damage would occur — so better ram the car now.” https://t.co/gXBEAONzPq
ومع ذلك، يشير «ماوري» إلى وجود أمثلة إيجابية—وإن متأخرة—في تواصل المؤسسات الأوروبية عبر المنصات الرقمية. ويذكر حساب «French Response» الذي أطلقته وزارة الخارجية الفرنسية، والذي يرد في أحيان كثيرة على الدعاية الروسية. ويخلص إلى أن ذلك «يبعث على الأمل في أن تتغير، ولو ببطء، لغة الخطاب الرسمي»، قبل أن يضيف: «لكن الواقع أننا ما زلنا، في كثير من الأحيان، عند مستوى يذكّر بالحرب العالمية الأولى».

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.