إيطاليا تعدّل مشروع قانون العنف الجنسي: من “غياب الرضا” إلى “مخالفة الإرادة” - الإيطالية نيوز

إعلان فوق المشاركات

إيطاليا تعدّل مشروع قانون العنف الجنسي: من “غياب الرضا” إلى “مخالفة الإرادة”

إيطاليا تعدّل مشروع قانون العنف الجنسي: من “غياب الرضا” إلى “مخالفة الإرادة”

الإيطالية نيوز، الجمعة 23 يناير 2026 – أَدخلت لجنة العدل في مجلس الشيوخ الإيطالي، يوم أمس الخميس، تعديلًا على مشروع قانون قيد النقاش بشأن العنف الجنسي ومفهوم الرِّضا، شمل المادَّة 609 مكرَّر من القانون الجنائي، الخاصة بجريمة العنف الجنسي. وبعد أن كان المشروع يُعَرِّف الجريمة على أنَّها فعل يُرتكَب «من دون رِضا حرّ وحالي» من الشخص المعني، بات التعريف الجديد ينصُّ على أنَّها فعل يُرتكب «ضد إرادة الشخص».


وتكتسب هذه التعديلات أهمية خاصَّة، إذ إنَّ الصيغة السابقة كانت ستُدخِل للمرَّة الأولى مفهوم «الرِّضا» صراحة إلى القانون الجنائي الإيطالي كعنصر فاصل في تحديد ما إذا كان الفعل الجنسي يُعدُّ عنفًا. وقد جاء ذلك نتيجة توافق سياسي نادر بين اليمين ويمين الوسط من جهة، والوسط اليساري من جهة أخرى، تطلَّب حوارًا مباشرًا بين رئيسة الوزراء «جورجا ميلوني»، وأمينة «الحزب الديمقراطي»، «إيلي شلاين».


وبحسب مصادر سياسية، دفعت «ميلوني» بهذا التوافق إلى حدّ بعيد بمبادرة شخصية، فارضة خطّها على حلفائها في الحكومة، رغم أن قوى اليمين كانت تاريخيًا معارضة لإدخال مفهوم «الرِّضا» في تعريف الجريمة. وفي نوفمبر الماضي، كانت «رابطة الشمال» (ليغانورد) قد عطَّلت مناقشة المشروع لهذا السَّبب.


التعديل الأخير اقترحته السيناتورة عن حزب «ليغا» ورئيسة لجنة العدل، «جوليا بونجورنو»، وهي محامية جنائية معروفة بدورها العلني في قضايا العنف ضد النساء، بما في ذلك دفاعها عن ضحايا في قضايا بارزة. ويمنح هذا التعديل قوى اليمين مخرجًا للتدخل في نص المشروع من دون أن يبدو ذلك تراجعًا عن حماية النساء، بالأخص بعدما واجه الاتفاق الأول مع الوسط اليساري انتقادات من جزء من القاعدة الانتخابية اليمينية، وكذلك من داخل الائتلاف الحاكم، وخصوصًا من حزب «ليغا».


وفي بيان مشترَك وقَّعه رؤساء الكتل البرلمانية للمعارضة في «مجلس الشيوخ»، وُجِّهت انتقادات حادَّة للتعديل، واعتُبِر بمثابة خرق «لاتفاق سياسي» جرى التوصُّل إليه سابقًا.


وبحسب الصيغة المعدَّلة، ينصُّ مشروع القانون على أن يُعاقَب «كل من يرتكب، ضد إرادة شخص، أفعالًا جنسية بحقه، أو يدفعه إلى ارتكابها أو الخضوع لها». ويضيف النص أن الإرادة المخالفة، أي رفض الشخص للفعل الجنسي، «يجب تقييمها في ضوء الوضع والسياق الذي ارتُكب فيه الفعل»، وذلك تماشيًا مع «اتفاقية إسطنبول»، المعاهدة الدولية لمكافحة العنف ضد النساء والعنف الأسري.


وعلى خلاف النسخة الأولى التي كانت تنصُّ على عقوبة تتراوح بين ستة واثني عشر عامًا من السجن، أدخلت الصيغة الجديدة تخفيضات محتملة في العقوبة تبعًا لخطورة الفعل. كما ينصُّ المشروع على أن الفعل الجنسي يُعد مخالفًا لإرادة الشخص «حتى عندما يُرتكب على نحو مفاجئ»، أي في الحالات التي تمنع فيها الظروف الضحية من التعبير عن رفضها.


ومن المقرَّر أن يُعرض مشروع القانون، بصيغته المعدَّلة، على التصويت في مجلس الشيوخ، وهو ما يُتوقَّع أن يتم يوم الثلاثاء. وحتى في حال إقراره، سيتعين إحالته مجدَّدًا إلى «مجلس النواب» للمصادقة عليه في نسخته الجديدة. وبعد موافقة المجلسين على النص ذاته، يمكن لرئيس الجمهورية، ليُنشر بعدها في «الجريدة الرسمية» ويدخل حيِّز التنفيذ.


وبعيدًا عن السجال السياسي، أثارت التعديلات خلافات حادَّة على الصعيد القانوني والحقوقي. من جهة، ترى قوى المعارضة وجزء من الحركات النسوية أن استبدال مفهوم «الرِّضا» بمفهوم «الرَّفض» أو «الإرادة المخالفة» يشكل تراجعًا خطيرًا مقارنة بما هو معمول به حاليًا. في المقابل، دافعت «بونجورنو» عن التعديل، معتبرةً في تصريحات لصحيفة «كورييري ديلا سيرا» أنه «يوسّع نطاق حماية ضحايا العنف»، مشيرةً إلى أنَّ القانون الجنائي الحالي لا يعتبر الفعل عنفًا جنسيًا إلا إذا اقترن بالعنف أو التهديد أو الإكراه أو الخداع.


وقالت المحامية «إلينا بياجّوني»، من شبكة «D.i.Re» التي تضمُّ عددًا كبيرًا من مراكز مكافحة العنف في إيطاليا، إنَّ تقييم خطورة التعديل لا يجب أن ينطلق مما ينصُّ عليه القانون الجنائي حاليًا، بل من كيفية تفسيره قضائيًا خلال العقود الماضية.


وأوضحت أن القضاء الإيطالي، رغم أن الماَّدة 609 مكرَّر لا تذكر «الرِّضا» صراحة، اعتمد منذ سنوات طويلة على مفهوم «الرِّضا» الصريح في تفسير جريمة العنف الجنسي. وأضافت: «كان مشروع القانون يهدف إلى تقنين ما هو مطبَّق فعليًا. تغيير النص تحديدًا في مسألة «الرِّضا» يعني التشكيك في هذا التفسير القضائي، وربَّما تقويضه بالكامل»، نظرًا لتبدل المرجعية القانونية التي يستند إليها القضاة.


وفي السياق ذاته، أشار «جان لويدجي غاتّا»، رئيس الجمعية الإيطالية لأساتذة القانون الجنائي، إلى أن الصيغة الجديدة لا توضِّح متى يمكن التعبير عن الرَّفض، موضحًا أن المشروع لا يشير إلى أن «الرَّفض يمكن أن يُعبَّر عنه في أي وقت، حتَّى بعد موافقة أولية»، وهو أمر تعترف به الاجتهادات القضائية الحالية.


وعلى الرغم من ذلك، يبدي «غاتّا» موقفًا إيجابيًا عمومًا من الصيغة الجديدة، مع إقراره بوجود «نقاط إشكالية». ويرى أن التعديل أزال بعض الغموض الذي شاب الصيغة السابقة، مثل مفهوم «الهشاشة الخاصة» للضحية، الذي لم يكن محدَّدًا بوضوح. ويعتبر أن نموذج الجريمة القائم على التعبير عن الرَّفض، بدلًا من إثبات الرضا، يتماشى بدرجة أكبر مع ما يصفه بـ«التوجُّهات الفقهية» السَّائدة في النقاش الأكاديمي.


ولا يقل الخلاف حدة بشأن تعديل العقوبات. فبينما كانت النسخة السابقة تنص بشكل عام على تشديد العقوبات، أدخلت الصيغة الحالية تمييزًا أوضح: إذ تُطبّق عقوبة السجن من ستة إلى اثني عشر عامًا في حال ارتكاب الجريمة بالعنف أو التهديد، فيما يمكن تخفيضها حتى الثلثين في الحالات الأقل خطورة، سواء من حيث طريقة ارتكاب الفعل أو حجم الضرر «الجسدي أو النفسي» الذي لحق بالضحية.


وترى «بياجّوني» أن تعريف الضرر بهذه الصيغة «فضفاض إلى حد كبير»، وقد يتحوَّل إلى أداة يستخدمها محامو الدفاع للحصول على أحكام تقلُّ عن عامين، وهو الحد الذي يسمح بالحصول على وقف التنفيذ وتجنُّب السجن. أما «غاتّا»، فرغم اعترافه بصعوبة إثبات وجود الضرر الجسدي أو النفسي وحِدَّته، فإنه يعتبر التعديل «متوافقًا مع المبدأ الدستوري لتناسب العقوبة مع الجريمة».

إعلان اسفل المشاركات

الإيطالية نيوز

الإيطالية نيوز، موقع إخباري مهتم بشؤون الجالية المقيمة في الخارج مع إطلالة على أهم الأحداث والحوادث الواقعة في العالم.

انظم إلينا عبر المنصات التالية

للتواصل معنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

أقاليم إيطاليا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

مواقع قد تفيدك