وفي 17 يناير، عقد مجلس الدفاع الوطني الكوبي اجتماعًا طارئًا لتقييم وتعزيز خطط الاستعداد العسكري، ولمواجهة أي محاولات محتملة لتغيير النظام في الجزيرة بدعم من واشنطن.
وبالنسبة للحكومة الكوبية، شكّل الهجوم الأميركي على فنزويلا ضربة قاسية على أكثر من صعيد، إذ تُعد «كراكاس» الشريك الأيديولوجي الأبرز ل«هافانا»، في إطار النموذج الاشتراكي البوليفاري القريب من قيم الثورة الكوبية. كما وفّرت العلاقة الخاصة بين البلدين إمدادات نفطية حيوية لكوبا، التي تعاني اقتصادها من حصار اقتصادي مستمر منذ أكثر من ستة عقود، في حين استفادت فنزويلا من دعم كوبي أمني واستخباراتي لحماية منشآتها الحيوية.
وتشير التقارير إلى أن عددًا من العناصر الكوبية ضمن القوات الأمنية كانوا من بين أبرز ضحايا العملية الأميركية في فنزويلا، والتي أسفرت عن مقتل نحو 80 عنصرًا كانوا يؤمّنون المجمع السكني الذي أُوقف فيه «مادورو» وزوجته. وأكدت هافانا سقوط 32 قتيلًا كوبيًا، فيما أعلنت في الوقت نفسه بدء التحضير لاحتمال تعرّضها لهجوم عسكري وشيك.
#Cuba recibirá con #HonorYGloria a nuestros 32 compatriotas, caídos heroicamente en defensa de la soberanía de una nación hermana.
— Miguel Díaz-Canel Bermúdez (@DiazCanelB) January 13, 2026
Con cubanísimo coraje, ellos pusieron en jaque a los súper apertrechados, cobardes e ilegales secuestradores del Presidente de #Venezuela. pic.twitter.com/COCbEzB1YX
ولا تترك تصريحات المسؤولين الأميركيين مجالًا كبيرًا للشك في هذا الاتجاه. فبعد ساعات من الهجوم على «كراكاس»، قال وزير الخارجية الأميركي «ماركو روبيو» إن كوبا «في مأزق خطير»، فيما صرّح «ترامب» بأن «كوبا على وشك الانهيار، ولا أعتقد أن الأمر يتطلب تدخلًا مباشرًا».
ويُعدّ سيناريو تغيير النظام في «هافانا» عنصرًا ثابتًا في السياسة الأميركية تجاه كوبا منذ أكثر من ستين عامًا، حيث شهدت الجزيرة محاولات اغتيال متعددة وواحدة على الأقل من محاولات الغزو العسكري الفاشلة. وكانت كوبا قد أعربت عن قلقها، خلال الصيف الماضي، إزاء نشر أكبر أسطول بحري أميركي في تاريخ البحر الكاريبي، في ظل إدراكها أنها مدرجة على قائمة أولويات الإدارة الأميركية. ويُذكر أن «ترامب» شدد، خلال ولايته الأولى، العقوبات الاقتصادية والتجارية والمالية المفروضة على كوبا، ما فاقم من عزلة اقتصادها وحدّ من قدرتها على النفاذ العادل إلى الأسواق الدولية.
ويرى مراقبون في «هافانا» أن استهداف فنزويلا، أحد أبرز حلفاء كوبا الإقليميين وشريكها في منظمات مؤثرة مثل «مجموعة دول أميركا اللاتينية والكاريبي» (CELAC) و«تحالف ألبا» (ALBA)، يشكّل رسالة تحذير مباشرة للجزيرة.
وفي هذا السياق، أعلن مجلس الدفاع الوطني الكوبي أن اجتماعه الأخير جاء «بهدف رفع مستوى الجاهزية والتماسك بين الهيئات القيادية والعاملين»، و«تقييم الاستعداد العسكري في حال نشوب حرب». وأوضح بيان رسمي أن الاجتماع، الذي ترأسه الرئيس «ميغيل دياز-كانيل»، خُصص لـ«تحليل واعتماد الخطط والتدابير الخاصة بالانتقال إلى حالة الحرب»، في إطار ما يُعرف بالعقيدة الاستراتيجية لـ«حرب الشعب الشاملة».
وتعود هذه العقيدة إلى المفهوم الدفاعي الذي صاغه الزعيم الكوبي الراحل «فيديل كاسترو»، والذي يقوم على نشر منظومة الدفاع الإقليمي كأساس للقوة العسكرية، وتعبئة موارد الدولة والمجتمع كافة، وفق ما ينص عليه قانون الدفاع الوطني الكوبي.
ورغم أن حالة الحرب لم تُعلن رسميًا بعد، فإن «هافانا» بدأت فعليًا التحضير للسيناريو الأسوأ، والمتمثل بمحاولة تغيير النظام على غرار ما حدث في فنزويلا. ويأتي ذلك في وقت تتناقض فيه تصريحات «ترامب»، الذي قال إن «كوبا ستسقط من تلقاء نفسها»، مع مؤشرات ميدانية وسياسية متزايدة توحي بعكس ذلك.
فعلى الصعيد العسكري، أعلن الرئيس الأميركي عبر منصات التواصل الاجتماعي عزمه زيادة الإنفاق الدفاعي بنسبة %50، من نحو تريليون دولار حاليًا إلى 1.5 تريليون دولار بحلول نهاية عام 2027، رغم تشكيك مراقبين في قدرة إدارته على تأمين التمويل اللازم لهذا الارتفاع.
وفي موازاة ذلك، كشف تحقيق لصحيفة وول ستريت جورنال أن الإدارة الأميركية تعمل بنشاط على سيناريو تغيير النظام في كوبا قبل نهاية العام الجاري، وأنها باشرت البحث داخل مؤسسات الدولة الكوبية عن شخصيات يمكن التفاوض معها بشأن مرحلة انتقالية محتملة. ويستند هذا السيناريو، وفق الصحيفة، إلى النموذج نفسه الذي طُبق في فنزويلا، من خلال الضغوط النفسية والتهديدات، والحشود العسكرية، والضربات المحددة بهدف دفع المجتمع إلى الانهيار الداخلي، وتشجيع بعض المسؤولين على الانشقاق.
وتعزز هذه المعطيات التقارير التي تتحدث عن تمركز حاملة الطائرات الأميركية USS George H.W. Bush على بعد نحو 60 ميلًا من سواحل فاراديرو، إلى جانب رسائل تحذير غير مباشرة وجهها «ترامب» عبر منصته سوشال تروث، دعا فيها الحكومة الكوبية إلى «التوصل إلى اتفاق قبل فوات الأوان».
ويشير محللون إلى أن العملية الأميركية في فنزويلا أسهمت في تعزيز شعبية ترامب داخليًا، إذ التفّ الناخبون الجمهوريون حوله عقب أحداث الثالث من يناير، في وقت تُظهر استطلاعات الرأي تراجعًا حادًا في شعبيته على المستوى العام. ويرى هؤلاء أن «الملف الكوبي»، الذي وعد ترامب بحسمه قبل نهاية العام، قد يشكل رافعة سياسية له قبيل انتخابات التجديد النصفي المرتقبة في نوفمبر المقبل.
في المقابل، تواصل كوبا تعزيز قدرتها على الصمود. فرغم عدم إعلان حالة الحرب، عززت «هافانا» بنيتها التحتية العسكرية، ورفعت مستوى جاهزية المكون المدني في منظومة الدفاع الوطني، في نهج اعتادت عليه البلاد منذ عقود، في ظل ما تعتبره حصارًا شاملًا اقتصاديًا وعسكريًا، لم يتبدد شبحه منذ أزمة خليج الخنازير.
كما كثفت كوبا تحركاتها الدبلوماسية، سعيًا لتأكيد أنها ليست معزولة إقليميًا. فقد أعلن الرئيس «دياز-كانيل»، عبر منصة «إكس»، عن اتصال هاتفي مع «ديلسي رودريغيز»، الرئيسة المؤقتة لفنزويلا، عبّر خلاله عن «دعم وتضامن» بلاده، مؤكدًا استمرار التقارب بين البلدين. كذلك عززت هافانا علاقاتها مع المكسيك ورئيستها «كلوديا شينباوم»، التي أبدت استعدادها للوساطة في أي حوار محتمل بين كوبا والولايات المتحدة.
Sostuve conversación telefónica con la Presidenta Encargada de #Venezuela, Delcy Rodríguez. Reiteré nuestra enérgica condena a la agresión militar de #EEUU y el secuestro del Presidente Constitucional Nicolás Maduro y la compañera Cilia Flores.
— Miguel Díaz-Canel Bermúdez (@DiazCanelB) January 22, 2026
1/2
وعلى الصعيد الدولي، جددت كوبا تأكيد روابطها التاريخية مع كل من الصين وروسيا. ففي 21 يناير، استقبل «راؤول كاسترو» وزير الداخلية الروسي «فلاديمير كولوكولتسيف» في قصر الثورة، في إطار تعزيز العلاقات بين «الدول الصديقة».
وفي اليوم السابق، أكد السفير الصيني في «هافانا» «هوا شين» «العلاقة الخاصة التي تجمع كوبا و«بكين»، معلنًا موافقة الصين على إرسال 60 ألف طن من الأرز إلى الجزيرة، إلى جانب حزمة مساعدات بقيمة 80 مليون دولار مخصصة لشراء معدات ومواد كهربائية، بهدف دعم وتحديث البنية التحتية للطاقة في كوبا.

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.