وقد تجلّى ذلك بوضوح يوم الاثنين، حين استخدم «روتَّه»، خلال جلسة استماع في «البرلمان الأوروبي»، الخطاب ذاته الذي يعتمده «ترامب» في اتِّهام الدول الأوروبية بالاعتماد المفرِط على الولايات المتحدة في مجال الأمن، وبالتقاعس عن الإنفاق الكافي على دفاعها. وقال «روتَّه»: “إذا كان هناك من يعتقد هنا أن الاتحاد الأوروبي أو أوروبا ككل قادران على الدفاع عن نفسيهما من دون الولايات المتحدة، فليواصل الحُلم.”
'And if anyone thinks here again that the European Union or Europe as a whole can defend itself without the US, keep on dreaming. You can't. We can't. We need each other,' Mark Rutte said, dismissing calls by some European politicians for a separate army https://t.co/swSpaxXqJG pic.twitter.com/zFZ1bqEuhi
— Reuters (@Reuters) January 26, 2026
تُعدّ الولايات المتحدة المموّل الرئيسي لحلف شمال الأطلسي (الناتو) بفارق كبير عن باقي الأعضاء. وتتمثَّل أولوية «مارك روته»، الذي تولّى منصبه قبل فترة وجيزة من فوز «دونالد ترامب» في الانتخابات الرئاسية لعام 2024، في الحيلولة دون إقدام «ترامب» على تفكيك الحلف، كما هدَّد مرارًا.
Non, cher Mark Rutte. Les Européens peuvent et doivent prendre en charge leur sécurité. Même les États-Unis en conviennent. C’est le pilier européen de l'OTAN. https://t.co/oEzSfewFZU
— Jean-Noël Barrot (@jnbarrot) January 26, 2026
وقد أثارت تصريحاته الصادرة يوم الاثنين جدلًا واسعًا، إذ قوبلت بانتقادات من أعضاء «البرلمان الأوروبي»، ثم من الحكومة الفرنسية أيضًا، لكنَّها لم تكن المرة الأولى التي يثير فيها مثل هذا الجدل.
وتعود أشهر هذه الحالات إلى الصيف الماضي، حين نشر «ترامب» على وسائل التواصل الاجتماعي لقطة شاشة لرسالة شديدة التزلُّف بعث بها «روتّه»، هنَّأه فيها على قصف المواقع النووية الإيرانية مستخدِمًا أوصافًا مبالَغًا فيها وكلمات مكتوبة بأحرف كبيرة، على غرار أسلوب «ترامب» المعتاد. وجاء ذلك في أيام انعقاد اجتماع حلف «الناتو»، حيث كان «روتَّه» يبلغه مسبقًا بأن الدول الأوروبية ستستجيب لمطالبه بزيادة الإنفاق العسكري.
وفي ختام الاجتماع، حين تباهى «ترامب» بإنهاء الحرب بين إسرائيل وإيران، مشبّهًا البلدين بطفلين يتشاجران في ساحة المدرسة، أيّده «روته» قائلًا: «أحيانًا يتعيّن على الأب أن يتدخَّل بكلمات حازمة ليفصل بينهما». وقد استخدم كلمة daddy («بابا» أو «بابرينو»)، وهو تعبير بدا غريبًا وأصبح منذ ذلك الحين موضع انتقاد وسخرية، باعتباره دليلًا على خضوعه المفرط لِـ «ترامب». وقد أعاد «ترامب» التذكير بهذه العبارة خلال «منتدى دافوس»، ليستدلّ بها على أن الأوروبيين كانوا «يعشقونه» جميعًا، إلى أن أعلن نيته السيطرة على «غرينلاند».
وفيما يتعلّق بِـ «غرينلاند» تحديدًا، يبدو أن وساطة «روتَّه» قد أتت أُكلها. إذ قال «ترامب» إنه توصّل إلى تفاهم معه حول الشروط التي دفعته إلى استبعاد خيار احتلال الجزيرة بالقوة، وإلى التراجع عن فرض الرسوم الجمركية على الدول الأوروبية التي عارضت خططه. ولا تزال تفاصيل هذا التفاهم محدودة، على أن يبدأ التفاوض بشأنه خلال الأسابيع المقبلة، ويرجَّح أن يتضمَّن منح الولايات المتحدة سيادة على بعض القواعد العسكرية هناك (علمًا بأنَّ لها قاعدة واحدة بالفعل).
وقد أفادت عدة وسائل إعلام دولية بأن «روتَّه» لعب دورًا مهمًا في «إقناع ترامب»، مستفيدًا من العلاقة التي نجح في بنائها معه.
![]() |
ملصق معارض لترامب، يظهره إلى جانب جيفري إبستين، ويدعم الناتو، على موقف حافلات في نوك، غرينلاند، بتاريخ 24 يناير. |
![]() |
علم الولايات المتحدة بالقرب من شعار الناتو في المقرّ الرئيسي للحلف في بروكسل. |
وقد شدَّدت التغطيات الإعلامية المتعلقة بملف «غرينلاند» على أن «روته» استعار هذا الأسلوب من مسيرته السياسية السابقة.
فقد شغل منصب رئيس وزراء هولندا لمدة 14 عامًا متتالية، من 2010 إلى 2024، ونجح خلالها في الحكم عبر أغلبيات متغيّرة، وفي التوفيق بين أحزاب متباعدة أيديولوجيًا ضمن مشهد سياسي شديد التشرذم (ولا يزال كذلك). وكان «روته» معروفًا، خلال عمله السياسي، بمهاراته التفاوضية، وصلابته في المباحثات، فضلًا عن استعداده الدائم للحوار مع الجميع، بما في ذلك أطراف المعارضة.
وحتى في منصبه الحالي أمينًا عامًا لحلف «الناتو»، يُعدّ «روته»، إن صحّ التعبير، «سهل الوصول». إذ يُعرف عنه حرصه على الرد على رسائل السياسيين خلال دقائق معدودة (رغم أنه لم يعد يستخدم هاتفه القديم من طراز «نوكيا» الذي تسبب له في مشكلات سابقة)، كما اعتاد دعوة قادة أوروبيين إلى عشاءات غير رسمية في «لاهاي» لعقد لقاءات بعيدة عن الأضواء.
ويُختصر النهج البراغماتي وغير الأيديولوجي الذي يتبنّاه «روته» في مقولة نُسبت إليه خلال مسيرته السياسية، وكان يرددها أيضًا المستشار الألماني الأسبق «هلموت شميت»: "إذا كنت تبحث عن الرؤية، فعليك أن تراجع طبيب العيون."




شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.