وقد نُشرت الصورة في الأول من فبراير على منصة «إكس»، مرفقة ببيان عن الاشتباكات التي وقعت في «تورينو» خلال تظاهرة دعمت حركة «أسكاتاسونا» في اليوم السابق. وسرعان ما انتشرت على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، لتصبح أيقونة بصرية لما وُصف بالعنف ضد قوات الأمن. غير أن وفقًا لتحليل أجرته هيئة تحرير «الإيطالية نيوز»، مع تدقيق معمق، ظهر أن الصورة ليست مطابقة للمواد الأصلية التي وُثّقت في اللحظة نفسها، والتي نشرتها حسابات حزب «إخوة إيطاليا» الحاكم وعدد من وسائل الإعلام ووكالات الأنباء.
وأخضعت هيئة التحرير الصورة لعدة أدوات متخصصة في رصد المحتوى المُنشأ أو المُعدّل بالذكاء الاصطناعي. ورغم تباين النتائج الرقمية بين أداة وأخرى، فإنها أجمعت على وجود تدخل تقني ملحوظ، تراوحت نسبته بين 32 في المئة وأكثر من 99 في المئة. ويُعزى هذا التفاوت إلى أن أساس الصورة حقيقي، لكنها أُعيدت معالجتها لاحقًا باستخدام الذكاء الاصطناعي لرفع دقتها وتعزيز طابعها الدرامي.
ولا تشير المعطيات إلى أن الصورة مُختلقة بالكامل، بل هي لقطة مأخوذة من مقطع فيديو حقيقي يوثّق الاعتداء على الشرطي، ثم جرى إعادة توليدها بأدوات ذكاء اصطناعي توليدي. وقد أسهم هذا التدخل في تحسين الوضوح والحدة البصرية، مع تركيز واضح على تضخيم الأثر العاطفي، لكنه في الوقت ذاته أحدث تغييرات جوهرية في ملامح الصورة.
ويخلص التحليل إلى نتيجة واضحة مفادها أن الصورة التي نشرتها الشرطة الإيطالية هي، وبدرجة احتمال مرتفعة جدًا، نتاج سلسلة من عمليات المعالجة بالذكاء الاصطناعي، انطلقت من فيديو حقيقي غير محل نزاع، لكنها اتجهت تدريجيًا نحو تمثيل بصري أكثر شحنًا بالعاطفة. وفي هذا السياق، يصبح الوجه المُعاد بناؤه والوضعية «الأيقونية» للشرطي عنصرين محوريين، حيث تسدّ الخوارزمية فجوات لم تُظهرها اللقطة الواقعية بوضوح كافٍ، مضيفة طبقة جديدة من التعاطف البصري. وبحسب التقرير، لا تكمن الإشكالية هنا في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في أسلوب التواصل.
وليست هذه المرة الأولى التي تُنشر فيها على حساب الشرطة الإيطالية في «إنستغرام» محتويات تبدو مُنتجة أو مُعالجة بالذكاء الاصطناعي، ما يشير إلى اعتماد متزايد لهذه الأدوات في التواصل الرقمي للمؤسسة.
وقد يرى البعض، وليس دون مسوّغ، أن هذه التعديلات طفيفة ولا تمس جوهر الحدث أو ما تمثله الصورة. إلا أنه في زمن تتضاءل فيه الحدود بين الحقيقي والمزيّف، ويتزايد فيه استخدام الذكاء الاصطناعي لأغراض دعائية، يصبح من الضروري أن تتحمّل مؤسسات الدولة مسؤولية الاستخدام الرشيد والشفاف للتقنيات الحديثة. إن لجوء الشرطة، لأي غرض كان، إلى تعديل محتوى بحوزتها باستخدام الذكاء الاصطناعي ونشره من دون الإفصاح عن ذلك، يثير مخاوف مشروعة تتعلق بنقص الشفافية، أو على الأقل بالسطحية في إدارة هذا النوع من العمليات حتى على المستوى الرسمي. وفي عصر تؤثر فيه الصور بقوة على النقاش العام، تبقى الشفافية مسؤولية مؤسسية لا غنى عنها.



شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.