صورة شرطي «تورينو» الجريح تحت المجهر: تعديل بالذكاء الاصطناعي يثير تساؤلات حول الشفافية - الإيطالية نيوز

إعلان فوق المشاركات

صورة شرطي «تورينو» الجريح تحت المجهر: تعديل بالذكاء الاصطناعي يثير تساؤلات حول الشفافية

صورة شرطي «تورينو» الجريح تحت المجهر: تعديل بالذكاء الاصطناعي يثير تساؤلات حول الشفافية

الإيطالية نيوز، الجمعة 6 فبراير 2026 – أظهرت صورة نُشرت على الحساب الرسمي للشرطة الإيطالية وتحوّلت سريعًا إلى رمز للعنف الذي تعرّضت له قوات الأمن خلال اشتباكات في مدينة «تورينو»شرطي راكع على الإسفلت المبتل، جسده منحنٍ إلى الأمام، يسنده زميل ينحني لمساعدته. أحدهما لا يزال يرتدي الخوذة، فيما يبدو الآخر مكشوف الوجه، مشدود الملامح؛ تمتد يد بحثًا عن سند على كتف الزميل المصاب. المشهد معزول في ظلمة الليل، تضيئه أضواء صناعية تزيد من ثقله العاطفي.


وقد نُشرت الصورة في الأول من فبراير على منصة «إكس»، مرفقة ببيان عن الاشتباكات التي وقعت في «تورينو» خلال تظاهرة دعمت حركة «أسكاتاسونا» في اليوم السابق. وسرعان ما انتشرت على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، لتصبح أيقونة بصرية لما وُصف بالعنف ضد قوات الأمن. غير أن وفقًا لتحليل أجرته هيئة تحرير «الإيطالية نيوز»، مع تدقيق  معمق، ظهر أن الصورة ليست مطابقة للمواد الأصلية التي وُثّقت في اللحظة نفسها، والتي نشرتها حسابات حزب «إخوة إيطاليا» الحاكم وعدد من وسائل الإعلام ووكالات الأنباء.


وأخضعت هيئة التحرير الصورة لعدة أدوات متخصصة في رصد المحتوى المُنشأ أو المُعدّل بالذكاء الاصطناعي. ورغم تباين النتائج الرقمية بين أداة وأخرى، فإنها أجمعت على وجود تدخل تقني ملحوظ، تراوحت نسبته بين 32 في المئة وأكثر من 99 في المئة. ويُعزى هذا التفاوت إلى أن أساس الصورة حقيقي، لكنها أُعيدت معالجتها لاحقًا باستخدام الذكاء الاصطناعي لرفع دقتها وتعزيز طابعها الدرامي.


ولا تشير المعطيات إلى أن الصورة مُختلقة بالكامل، بل هي لقطة مأخوذة من مقطع فيديو حقيقي يوثّق الاعتداء على الشرطي، ثم جرى إعادة توليدها بأدوات ذكاء اصطناعي توليدي. وقد أسهم هذا التدخل في تحسين الوضوح والحدة البصرية، مع تركيز واضح على تضخيم الأثر العاطفي، لكنه في الوقت ذاته أحدث تغييرات جوهرية في ملامح الصورة.

ويُظهر مقارنة مباشرة بين الفيديو الأصلي والصورة المنشورة على الحسابات الرسمية تناقضات واضحة يمكن ملاحظتها بالعين المجردة، يصعب تفسيرها بمجرد اختلاف زاوية التصوير. ففي التسجيل المصوّر، يرتدي الشرطي قناعًا واقيًا من الغاز ويمسك بدرع مكافحة الشغب، فيما تختفي هذه العناصر أو تتحول في الصورة المنشورة. كما أن الوجه، الذي كان مغطى في الفيديو، يظهر مكشوفًا في الصورة، ما يرجّح أنه أُعيد بناؤه رقميًا، مع ظهور تشوهات بصرية معروفة ناتجة عن تقنيات «الملء التوليدي» المستخدمة في برامج الذكاء الاصطناعي.

ولم تقتصر التغييرات على ذلك، إذ اختلفت الخلفية أيضًا: سيارة تظهر في الفيديو تختفي في الصورة، كما لا تتطابق أرضية المكان، وتبدو مصادر الإضاءة غير منسجمة. وتكشف أنسجة السراويل والقفازات عن نعومة غير طبيعية، فيما تظهر كلمة «Polizia» مشوهة، وتبدو طيات الأقمشة وكأنها أُعيد رسمها. وهي مؤشرات معروفة لدى المتخصصين في التعامل مع الصور المُعالجة بالذكاء الاصطناعي، إذ تميل الخوارزميات إلى «تخيل» ما لا تراه، فتنشئ مشهدًا يبدو مقنعًا لكنه غير مطابق للواقع. والنتيجة صورة أنظف وأكثر تأثيرًا، لكنها أقل وفاءً للحقيقة.


ويخلص التحليل إلى نتيجة واضحة مفادها أن الصورة التي نشرتها الشرطة الإيطالية هي، وبدرجة احتمال مرتفعة جدًا، نتاج سلسلة من عمليات المعالجة بالذكاء الاصطناعي، انطلقت من فيديو حقيقي غير محل نزاع، لكنها اتجهت تدريجيًا نحو تمثيل بصري أكثر شحنًا بالعاطفة. وفي هذا السياق، يصبح الوجه المُعاد بناؤه والوضعية «الأيقونية» للشرطي عنصرين محوريين، حيث تسدّ الخوارزمية فجوات لم تُظهرها اللقطة الواقعية بوضوح كافٍ، مضيفة طبقة جديدة من التعاطف البصري. وبحسب التقرير، لا تكمن الإشكالية هنا في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في أسلوب التواصل.


وليست هذه المرة الأولى التي تُنشر فيها على حساب الشرطة الإيطالية في «إنستغرام» محتويات تبدو مُنتجة أو مُعالجة بالذكاء الاصطناعي، ما يشير إلى اعتماد متزايد لهذه الأدوات في التواصل الرقمي للمؤسسة.


وقد يرى البعض، وليس دون مسوّغ، أن هذه التعديلات طفيفة ولا تمس جوهر الحدث أو ما تمثله الصورة. إلا أنه في زمن تتضاءل فيه الحدود بين الحقيقي والمزيّف، ويتزايد فيه استخدام الذكاء الاصطناعي لأغراض دعائية، يصبح من الضروري أن تتحمّل مؤسسات الدولة مسؤولية الاستخدام الرشيد والشفاف للتقنيات الحديثة. إن لجوء الشرطة، لأي غرض كان، إلى تعديل محتوى بحوزتها باستخدام الذكاء الاصطناعي ونشره من دون الإفصاح عن ذلك، يثير مخاوف مشروعة تتعلق بنقص الشفافية، أو على الأقل بالسطحية في إدارة هذا النوع من العمليات حتى على المستوى الرسمي. وفي عصر تؤثر فيه الصور بقوة على النقاش العام، تبقى الشفافية مسؤولية مؤسسية لا غنى عنها.

ليست هناك تعليقات:

إعلان اسفل المشاركات

الإيطالية نيوز

الإيطالية نيوز، موقع إخباري مهتم بشؤون الجالية المقيمة في الخارج مع إطلالة على أهم الأحداث والحوادث الواقعة في العالم.

انظم إلينا عبر المنصات التالية

للتواصل معنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

أقاليم إيطاليا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

مواقع قد تفيدك