ولا تستند المبادرة إلى معطيات اجتماعية أو أمنية واضحة؛ إذ تُقدَّر أعداد النساء اللواتي يرتدين البرقع أو النقاب في إسبانيا ببضع مئات فقط من أصل نحو 2.5 مليون مسلم، وهو عدد يُعد ضئيلاً للغاية ولا يشكّل حضورًا ملموسًا في الحياة العامة.
ومع ذلك، تحوَّل المقترح إلى أداة سياسية داخل معسكر اليمين. فحزب «الحزب الشعبي»، أكبر أحزاب يمين الوسط، أعلن دعمه العلني للمشروع في مسعى للتقارب مع حزب «ڤوكس» اليميني المتطرف، الذي يحتاج إليه لتشكيل حكومات في عدد من الأقاليم. وعلى الأرجح لن يُقرّ المشروع، غير أن الحزبين ينظران إليه كوسيلة فعالة لإحراج اليسار وحكومة الاشتراكي «بيدرو سانشيز».
غرامات مالية ومبرّرات أمنية محل تشكيك
تقدّم حزب «فوكس» بالمشروع، وينصُّ على فرض غرامات تصل إلى 600 يورو على من ترتدي البرقع أو النقاب في الأماكن العامة، وترتفع إلى 30 ألف يورو في حال التكرار. ويشير نص المشروع إلى «انتشار واسع لأشخاص بوجوه مغطاة»، وهو توصيف لا تدعمه الأرقام المتاحة، كما يبرِّر الحظر بدواعٍ أمنية على أساس أن هذه الألبسة تخفي هوية مرتديها بالكامل.
ويحظر القانون الإسباني حاليًا تغطية الوجه في سياقات محدَّدة مرتبطة بالنظام العام، مثل المظاهرات، لكنَّه لا يتضمَّن حظرًا عامًا ودائمًا على لباس بعينه.
حسابات انتخابية وتحالفات إقليمية
جاء الدَّعم العلني من «الحزب الشعبي» للمشروع في سياق مفاوضات جارية مع «فوكس» بعد انتخابات محلية في إقليمي «إكستريمادورا» و «أراغون»، حيث تصدّر «الحزب الشعبي» النتائج من دون أن يحصد أغلبية كافية للحكم منفردًا. ويُنظر إلى تأييده لمشروع الحظر باعتباره رسالة تقارب سياسي تسهّل تشكيل تحالفات.
وقد يتكرر السيناريو نفسه في إقليم «قشتالة» و«ليون»، الذي يستعد لانتخابات في مارس، إذ يتقدم الحزب الشعبي في الاستطلاعات دون ضمان أغلبية مطلقة، ما قد يضطره مجددًا للاعتماد على دعم «فوكس».
ويمثل هذا الانفتاح على «فوكس» تحوّلًا في استراتيجية «الحزب الشعبي»، الذي سعى طويلًا إلى الحفاظ على موقع معتدل وإبعاد اليمين المتطرف عن مراكز القرار. لكن صعود «فوكس» في استطلاعات الرأي — إذ تشير تقديرات حديثة إلى حصول الحزب الشعبي على 22.9 في المئة، و«فوكس» على 18.9 في المئة، مقابل 32.6 في المئة للحزب الاشتراكي — دفع زعيم «الحزب الشعبي» «ألبرتو نونييث فييخو» إلى تبني نهج أكثر انفتاحًا تجاه اليمين المتطرف.
يسار منقسم بين حرية الدين وقضايا المساواة
أعلن كل من «الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني» وحلفائه في اليسار رفضهم للمشروع، معتبرين أنه يفتقر إلى الأساس الدستوري، إذ قد ينتهك مواد تكفل حرية الدين وتحظر التمييز.
غير أن المقترح وضع اليسار في موقف حرج، بسبب تباين مقارباته لمفهوم العلمانية. فبينما يرى تيار أنَّ الدولة ينبغي ألَّا تتدخَّل في الخيارات الدينية للأفراد، يعتقد أخرون أن من واجبها حماية النساء من رموز يعتبرونها قمعية، حتى وإن كانت محل اختيار شخصي.
واستغل اليمين هذا التباين، إذ انتقدت نائبة الأمين العام للحزب الشعبي «كارمِن فونيث» ما وصفته بـ«النسوية التي تدافع عن البرقع أو النقاب».
سوابق أوروبية وموقف حاسم من “خونتس”
يستحضر الجدل في إسبانيا تجربة فرنسا عام 2010، حين أقرّت حكومة يمين الوسط قانونًا يحظر البرقع في الأماكن العامة. آنذاك، غادر معظم نواب اليسار قاعة البرلمان تفاديًا لاتخاذ موقف واضح.
غير أن إحراجًا مماثلًا قد لا يتكرَّر في إسبانيا، إذ لا يملك «الحزب الشعبي» و«فوكس» حاليًا الأصوات الكافية لتمرير المشروع. وسيحتاجان إلى دعم حزب «معًا لأجل كتالونيا» الانفصالي من يمين الوسط، الذي يمتلك عددًا محدودًا من المقاعد في البرلمان الوطني. وأعلن الحزب أنه لن يدعم مشروع «فوكس»، لكنه يعتزم تقديم مقترح بديل خاص به.
وفي ظل هذه الحسابات المعقدة، يبدو أن مشروع الحظر — حتى لو لم يُقر — أدى بالفعل وظيفته السياسية، بإعادة رسم خطوط الاصطفاف داخل المشهد الحزبي الإسباني وتعميق الانقسام حول قضايا الهوية والعلمانية والحريات الفردية.

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.