لا تبدو المفاوضات الأميركية – الإيرانية، في سياقها الراهن، مسارًا جدِّيًا نحو تسوية مستدامة، بقدر ما تبدو إدارة محسوبة لمشهد سياسي يُراد له أن ينتهي بخيارين لا ثالث لهما: الإذعان للشروط الأمريكية أو الانزلاق إلى الحرب. فالتجربة التاريخية تشير إلى أنَّ «واشنطن» نادرًا ما تدخل مواجهة كبرى من دون أن تسبقها بسردية تبريرية تُلبِس القرار ثوب الضرورة، حتَّى لو كان القرار قد اتُّخذ سلفًا.
هذه السردية تقوم، في جوهرها، على ركيزتين متكرِّرتين في التاريخ السياسي الأمريكي: صناعة الذريعة، واستخدام الحلفاء كأدوات ظرفية. فمن الحرب ضد المكسيك في القرن التاسع عشر، إلى دور “الصحافة الصفراء” في تأجيج الحرب مع إسبانيا، إلى حادثة «خليج تونكين» التي مهَّدت لتوسيع الحرب في فيتنام، وصولًا إلى هجمات هجمات 11 سبتمبر وما أعقبها من غزو أفغانستان، ثم رواية “أسلحة الدمار الشامل” التي قادت إلى غزو العراق وإغراقه في الفوضى؛ يتكرَّر النمط ذاته: قرار استراتيجي يتقدَّم، ثم تُصاغ له الحيثيات السياسية والإعلامية.
أمَّا في ما يتعلَّق باستخدام الحلفاء، فتجربة الأكراد في سبعينيات القرن الماضي تظل نموذجًا صارخًا. فقد دعمت «وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية» (CIA) التمرُّد الكردي، قبل أن يتوقَّف الدعم فجأة عقب اتفاق الجزائر عام 1975 بين «بغداد» و«طهران»، فينهار التمرُّد وتبدأ موجة قمع واسعة. وقد وثَّقت لجنة «لجنة بايك» في «الكونغرس» الأميركي تفاصيل هذا التخلّي، في إشارة مبكِّرة إلى أنَّ التحالفات، في المنظور البراغماتي الأمريكي، تبقى محكومة بميزان المصلحة لا بميزان الالتزام الأخلاقي.
الأمر ذاته تكرَّر بصيغة مختلفة في المشهد السوري، حين أُعيد تعريف أدوار القوى المحلية وفق تبدّل الأولويات، بما عزَّز الانطباع بأنَّ «واشنطن» لا ترى في حلفائها سوى أدوات مرحلية، تُستثمَر عند الحاجة وتُهمَّش عند انتفاء الغرض.
في هذا السياق، يكتسب تصريح «بيل كلينتون» حول حاجة الولايات المتحدة إلى “تهديد آني” لتبرير الضربة الاستباقية دلالة عميقة: فالخطر، في بعض الأحيان، لا يكون شرطًا لبدء الحرب، بل شرطًا لتسويقها. وقد تجلَّى هذا المنطق بوضوح في مرحلة إدارة «جورج دبليو بوش»، حين عُرضت سردية الأسلحة المحظورة في مجلس الأمن، قبل أن يتبيًّن لاحقًا هشاشتها.
من جهته، كان «زبيغنيو بريجنسكي» من أوائل من أشاروا إلى الكيفية التي أُعيد فيها توظيف أحداث 11 سبتمبر لإطلاق حرب واسعة تحت عنوان “الحرب على الإرهاب”، حيث جرى دمج خصوم إسرائيل ضمن تعريف أوسع لخصوم الولايات المتحدة، وفي مقدمتهم إيران وحلفاؤها.
اليوم، تعود المواجهة الأمريكية – الإيرانية إلى مربَّع مألوف: عقوبات مشددة، حروب بالوكالة، مفاوضات متقطِّعة، ثم انسداد سياسي يعيد الجميع إلى نقطة البداية. إنَّ التناقض البنيوي بين المشروعين — مشروع الهيمنة الأميركية ومشروع النفوذ الإقليمي الإيراني — يجعل بلوغ توازن مستقر أمرًا بالغ الصعوبة. ولعل مقولة «رونالد ريغان» بأن “الاحترام أهم من المحبة” تعبّر عن جوهر العقيدة السياسية الأميركية: فالاحترام، في هذا المنطق، يُنتزع بالقوة إذا تعذَّر انتزاعه بالتفاهم.
في ضوء ذلك، تبدو الشروط المطروحة على طهران أقرب إلى اختبار للحدود منها إلى عرض تسوية متكافئة. تُراقَب إيران، وتُستدرَج إلى زاوية ضيِّقة، لا بحثًا عن سلام متوازن، بل لتحديد ما إذا كانت ستقبل بإعادة تعريف دورها الإقليمي وفقًا للرؤية الأمريكية، أو ستغامر بمواجهة مفتوحة.
بين الإذعان والحرب، تقف إيران اليوم في لحظة مفصلية. تراقب وتحسب، كما يراقب خصمها ويحسِب. غير أن الفارق، كما توحي تجارب الماضي، أن «واشنطن» نادرًا ما تترك مسرح الأحداث للصدفة؛ فهي تميل إلى إعداد المشهد كاملًا قبل إسدال الستار.
في النهاية، لا تبدأ الحروب حين تُطلق الطلقة الأولى، بل حين تُكتب الرواية الأولى. ودائمًا هناك قصة تُروى أوَّلًا… ثم دماء تُسفَك لاحقًا.
.jpg)
شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.