الأحد 1 مارس 2026 – أدلى الرئيس الأمريكي الأسبق «بيل كلينتون» بشهادة مغلقة أمام لجنة الرقابة في مجلس النواب بشأن قضية رجل الأعمال الراحل «جيفري إبستين»، مؤكِّدًا على أنَّه «لم يرَ شيئًا ولم يرتكب أي خطأ»، ومشدِّدًا على براءته من الجرائم التي نُسبت إلى «إبستين»، الذي توفي داخل محبسه في أغسطس 2019.وقبل 24 ساعة من مثوله، كانت زوجته وزيرة الخارجية السابقة «هيلاري كلينتون» قد خضعت بدورها لاستجواب النواب بشأن طبيعة العلاقة التي جمعت الزوجين الرئاسيين السابقين بِـ «إبستين» وبشريكته المدانة «غيسلين ماكسويل».
«كلينتون» وصف علاقته بِـ «إبستين» بأنَّها «معرفة عابرة»، انتهت «قبل سنوات من انكشاف جرائمه»، مؤكِّدًا على أنَّه لم يكن على علم بما كان يجري. وأضاف: «لم تكن لديّ أي فكرة عن جرائمه… أعرف ما فعلتُ، والأهم ما لم أفعله. أعرف ما رأيتُ، والأهم ما لم أره».
واستند الرئيس الأسبق إلى سيرته الشخصية في الدفاع عن نفسه، قائلاً إنه نشأ في بيئة شهدت عنفًا أسريًا، وإنه لو كانت لديه «أدنى فكرة» عن ممارسات «إبستين» «لما استقل طائرته قط، بل لكان أوَّل من طالب بمحاسبته». كما شدَّد على أنَّ «الضحايا لا يستحقّون العدالة فحسب، بل يستحقون التعافي أيضًا». ونفى بشكل قاطع أي صلة لزوجته بالقضية، معتبرًا أن استدعاءها «كان خطأً ببساطة».
فجوة بين السَّرد والوثائق
الرواية الرسمية تحصر العلاقة بين «كلينتون» و«إبستين» في تسعينيات القرن الماضي وبدايات الألفية، قبل توقيف الأخير في «فلوريدا» عام 2008. غير أنَّ سجلات رسمية، بينها دفاتر زوار «البيت الأبيض»، تشير إلى ما لا يقل عن 17 زيارة لِـ «إبستين». وبعد مغادرة «كلينتون» المنصب في يناير 2001، أصبحت اللِّقاءات أكثر وضوحًا عبر رحلات دولية ومبادرات خيرية واجتماعات عامّة وخاصّة.
بين عامي 2002 و2003، استقل «كلينتون» مرارًا الطائرة الخاصَّة لِـ «إبستين» المعروفة إعلاميًا باسم «لوليتا إكسبرس»، وتشير السجلات إلى 17 رحلة على الأقل باسمه، فيما تذهب تقديرات أخرى إلى 26 أو 27 تنقُّلاً عند احتساب المقاطع المتَّصلة. ولم يكن العدد وحده محل الاهتمام، بل سياق تلك الرحلات، بما في ذلك جولة إلى أفريقيا عام 2002 قُدمت بوصفها مهمة لدعم برامج مكافحة «الإيدز» والتنمية، وشارك فيها الممثل «كيفن سبيسي» والفنان «كريس تاكر».
كما تردّد «كلينتون» على مكاتب ومنازل «إبستين» في «نيويورك»، وسبق أن وصفه في مقابلة صحفية بأنه «ممّول ناجح للغاية» و«فاعل خير ملتزم».
جزيرة “ليتل سانت جيمس” والاتهامات المتبادلة
الجدل الأوسع دار حول جزيرة «إبستين» الخاصة في «الكاريبي»، «ليتل سانت جيمس». فقد قالت المشتكية الرئيسية «فيرجينيا جوفري» إنها رأت «كلينتون» هناك بعد انتهاء ولايته، من دون أن تتهمه بارتكاب اعتداءات. في المقابل، وصفت «ماكسويل» هذه الرواية بأنها «كذبة واضحة».
وفي عام 2020، ذكرت مجلة «ڤانيتي فير»، نقلاً عن المستشار السابق «دوغ باند»، أن «كلينتون» زار الجزيرة في يناير 2003، وهو ما نفاه مكتبه، مؤكدا امتلاكه جداول أعمال ووثائق سفر لا تتضمن تلك المحطة.
وثائق وصور تزيد الضغوط
في 2016، طلب محامو «جوفري» استدعاء «كلينتون» بوصفه «شاهدا رئيسيا» نظرا لـ«العلاقة الشخصية الوثيقة» مع «إبستين» و«ماكسويل»، غير أن قاضيا اتحاديا رفض الطلب. وفي الوثائق التي رُفعت عنها السرية عام 2024، ورد اسم «كلينتون» بوصفه «شخصا مرتبطا» بالقضية.
وفي ديسمبر 2025، أظهرت ما عُرف بـ«ملفات إبستين» صورا وُصفت بالمحرجة: «كلينتون» عاري الصدر في حوض استحمام ساخن إلى جانب شخص حُجب وجهه، وأخرى في مسبح برفقة «ماكسويل» وامرأة ثالثة غير معرّفة، وصورة واقفا وبيده مشروب قرب «إبستين». وفي دفعة وثائق نُشرت في 30 يناير 2026، ظهرت صور إضافية له أثناء تلقيه تدليكا من فتاة حُجب وجهها. ورغم أن هذه المواد لا تثبت ارتكاب جرائم، فإنها تعزز صورة القرب والعلاقة غير الرسمية بين الطرفين.
تداعيات سياسية محتملة
تُعد هذه المرة الأولى التي يدلي فيها رئيس أمريكي سابق بشهادة تحت القسم أمام لجنة في «الكونغرس». وأقرّ رئيس اللجنة الجمهوري «جيمس كومر» بأن الحصول على مثول «بيل» و«هيلاري كلينتون» استغرق «سبعة أشهر» من المفاوضات.
في المقابل، يطالب الديمقراطيون باستدعاء الرئيس «دونالد ترامب» للإدلاء بشهادته، معتبرين أن اللجنة، رغم أغلبيتها الجمهورية، ستجد صعوبة في تبرير استثناء «ترامب» وزوجته «ميلانيا ترامب» من المساءلة إذا كانت قد استدعت رئيسا سابقا آخر تحت القسم.
وبينما لا تزال التطورات مفتوحة على احتمالات متعددة، تبدو القضية اليوم ذات أبعاد رمزية وسياسية تتجاوز مسارها القضائي، إذ تعيد طرح أسئلة حول الفارق بين البراءة القانونية والمسؤولية الأخلاقية، وبين ما قيل إنه «لم يُرَ» وما قد يكون جرى التغاضي عنه على مدى عقود.
شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.