الإيطالية نيوز، الثلاثاء 3 مارس 2026 – تواجه رئيسة الوزراء الإيطالية، «جورجا ميلوني»، تحدِّيًا متزايدًا هذا العام يتمثَّل في تدهور الوضع الاقتصادي، ما أجبر حكومتها على خفض طموحاتها المالية في ظل موارد أقل وضغوط متصاعدة، حتى من قبل قطاع الصناعات الذي بدأ يعبّر عن استيائه بشكل غير مسبوق.وتعمل الحكومة حاليًا على إعداد وثيقة المالية العامة، التي تُحدِّد ملامح السياسة الاقتصادية للعام المقبل، وسط توقُّعات قاتمة بشأن أداء الاقتصاد الإيطالي، وفقًا لتقديرات مؤسَّسات وطنية ودولية بارزة. ومن المتوقَّع أن يتم اعتماد الوثيقة مطلع أبريل قبل إحالتها إلى البرلمان، غير أن صياغتها هذا العام تبدو أكثر تعقيدًا بسبب حالة عدم اليقين، خصوصًا المرتبطة بالحرب في إيران.
هذا السياق دفع «ميلوني» إلى اتِّخاذ قرارات مالية تقشُّفية أثارت غضب الشركات، حيث انتقدت «كونفيندوستريا»، أكبر منظَّمة تُمثِّل الصناعيين، سياسات الحكومة علنًا، في سابقة منذ بداية الولاية الحالية.
وكانت الحكومة تأمل، بعد سنوات من الانضباط المالي، في تبنِّي سياسات توسُّعية عبر موازنة جديدة تسبق انتخابات 2027، بهدف دعم القدرة الشرائية وتحقيق تأثير ملموس على المواطنين. غير أن هذه الخطط تبدو الآن مهدَّدة.
وتفاقمت الأزمة في 2 مارس، عندما أعلن «المعهد الوطني للإحصاء» (ISTAT) أن عجز الموازنة لعام 2025 بلغ %3.1 من الناتج المحلي الإجمالي، متجاوزًا الحد الحاسم البالغ %3، ما يعرقل خروج إيطاليا من إجراءات «الاتحاد الأوروبي» الخاصة بالعجز المفرط، التي فُرضت عليها في 2024.
وكان تجاوز هذا الحد يعني عمليا استمرار القيود الأوروبية على الإنفاق، وحرمان الحكومة من مرونة مالية كانت ستتيح تمويل نفقات إضافية، خاصة في مجالات الدفاع، إضافة إلى تقليص الثقة في الأسواق المالية.
ومن المنتظر أن يراجع «يوروستات» هذه الأرقام لاحقًا، مع وجود أمل محدود في تعديلها، لكن الحكومة مضطرة حاليًا لاتخاذ قراراتها على أساس هذه المعطيات السلبية.
في الوقت نفسه، تراجعت توقُّعات النمو بشكل ملحوظ. فبعد أن كان وزير الاقتصاد «جانكارلو جورجيتّي» (Giancarlo Giorgetti) يعوّل على نمو بنسبة %0.7، تشير التقديرات الآن إلى مستويات أقرب إلى 0.4–%0.5، وسط تباطؤ التجارة العالمية وضعف الاستهلاك الداخلي.
كما خفّضت «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» (OECD) توقُّعاتها لنمو الاقتصاد الإيطالي إلى %0.4 في 2026، ما يجعل أداء إيطاليا من بين الأضعف في مجموعة العشرين.
هذه الأرقام ليست مجرَّد مؤشِّرات نظرية، بل لها تأثير مباشر على السياسات الحكومية، حيث أقرَّ مجلس الوزراء مرسومًا ماليًا يُقلّص بشكل كبير الحوافز المخصَّصة للشركات ضمن برنامج "التحوُّل 5.0"، ما أثار غضبًا واسعًا في أوساط الصناعيين.
وكان البرنامج يعاني أصلاً من تعقيدات بيروقراطية وضعف في التنفيذ، تحت إشراف وزارة الشركات بقيادة «أدولفو أورسو» (Adolfo Urso)، قبل أن تتفاقم الأزمة بعد تقليص الموارد المخصَّصة له، ما أدَّى إلى تعليق آلاف الطلبات الاستثمارية.
ورغم محاولة الحكومة احتواء الأزمة عبر تخصيص صندوق دعم في موازنة 2025، فقد جرى تقليص هذا الصندوق لاحقًا بشكل كبير، ما أدَّى إلى خفض فعلي في الحوافز إلى نحو %35 من مستواها المعلَن سابقًا.
وأثار هذا القرار انتقادات مباشرة من قبل «إيمانويلي أورسيني» (Emanuele Orsini)، رئيس اتحاد الصناعيين، الذي حمَّل وزارة الاقتصاد مسؤولية هذه السياسات. في المقابل، دافع «جورجيتي» عن القرار، معتبرًا أن الموارد المحدودة تفرض الاختيار بين دعم الشركات أو تخفيف آثار ارتفاع أسعار الطاقة.
وتواجه الحكومة أيضًا تحدِّيًا إضافيًا مع اقتراب انتهاء إجراءات خفض أسعار الوقود، التي أُقرَّت مؤقًّتًا قبيل الاستفتاء الدستوري، وسط شكوك حول قدرتها على تمديد هذه التدابير من دون الإضرار بالمالية العامة.
سياسيًا، يُعدُّ التصعيد الحالي لافتًا، إذ يُمثِّل أوَّل مواجهة علنية بهذا الحجم بين الحكومة وقطاع الصناعات، بعد سنوات من الخلافات المحدودة التي جرى احتواؤها بفضل العلاقات الجيِّدة بين الطرفين.
ومع تراجع الالتزامات الحكومية السابقة تجاه الصناعيين، يبدو أن الخلاف قد دخل مرحلة مفتوحة، في وقت تستعدُّ فيه الحكومة لعقد اجتماع مع ممثِّلي القطاع الإنتاجي لمحاولة احتواء الأزمة وتخفيف حدة التوتُّر.
شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.