الجدير بالذكر أنَّ الاستفتاء يركِّز على (إصلاح القضاء)، إلَّا أنَّ المحتوى الجوهري للنقاش يغيب وسط موجة من الأخبار الزائفة والهجمات السياسية وإعادة البناء الجزئية للحقائق. لقد اختزلت الحكومة والمعارضة النقاش إلى مجرَّد موقف دعم أو معارضة، متجاهلين الجوانب الأساسية التي تتعلَّق بتنظيم القضاء، الذي يمتلك السلطة القضائية ويكمل مع السلطات التشريعية والتنفيذية دعائم الدولة الحديثة.
وفي ظل ما يوصف بأنَّه أسوأ حملة انتخابية على الإطلاق، والتي قد تقوِّض حق أكثر من 50 مليون ناخب في الحصول على المعلومات الصحيحة، قرَّرت هيئة تحرير صحيفة «الإيطالية نيوز» نشر مقال يوضِّح الحقائق ويضع الأمور في نصابها الصحيح قبل موعد التصويت.
الإصلاح المزعوم للقضاء
يُدعَى الناخبون الإيطاليون للتصويت في استفتاء واحد يوم الأحد 22 مارس من الساعة 7 صباحًا حتى 11 مساءً، ويوم الاثنين 23 مارس من الساعة 7 صباحًا حتى 3 عصرًا.
ويُصنَّف هذا الاستفتاء على أنه استفتاء تأكيدي، ما يعني أنه لا يتطلَّب تحقيق حد نصاب للعدد الأدنى من الأصوات لتكون نتيجة التصويت صالحة، خلافًا للاستفتاءات الأخيرة من نوع الإلغاء التشريعي.
الموضوع الذي سيُصوِّت عليه المواطنون هو القانون الدستوري رقم 253/2025، المعروف باسم «إصلاح القضاء»، والذي حصل على أغلبية مطلقة في البرلمان. إلَّا أنَّ القانون لم يحصل على تأييد ثلثي أعضاء كل من مجلسي البرلمان، مما أتاح إمكانية طلب إجراء الاستفتاء التأكيدي بعد جمع 500 ألف توقيع كما ينصُّ القانون.
يُمثل الاستفتاء الإيطالي حول «إصلاح القضاء» قانونًا دستوريًا معقَّدًا، كما يتَّضح من نص السؤال الذي سيواجهه الناخبون على البطاقة الخضراء:
«هل توافقون على نص قانون تعديل المواد 87 (الفقرة العاشرة)، 102 (الفقرة الأولى)، 104، 105، 106 (الفقرة الثالثة)، 107 (الفقرة الأولى)، و110 من الدستور، كما أقرَّه البرلمان ونُشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 30 أكتوبر 2025 تحت عنوان “قواعد تتعلَّق بالنظام القضائي وإنشاء المحكمة التأديبية”؟»
بالإشارة إلى خانة «نعم»، يكون الناخب موافِقًا على التعديلات الجديدة، بينما يعني اختيار «لا» يكون معارضا للإصلاح.
تتضمَّن هذه التعديلات سبع مواد دستورية، وتركز بشكل أساسي على تغيير آليات الحكم الذاتي للنيابة العامة وإعادة تأكيد التمييز بين المسارات المهنية للقضاة، وهو ما أُدخل لأوَّل مرَّة في الإصلاح السابق المعروف باسم «إصلاح كارتابيا».
وفي التقرير التالي، سنتناول بالتفصيل ما الذي يتغيَّر بموجب هذا القانون الدستوري الذي أقرَّته الحكومة وبحاجة إلى تأكيد من الشعب.
إصلاح القضاء الإيطالي يقسم المجلس الأعلى للقضاة إلى هيئتين مستقليتين
يُشكِّل «المجلس الأعلى للقضاء» (CSM) حاليًا هيئة الحكم الذاتي للقضاة، بما في ذلك القضاة العامُّون والمُدَّعون العامّون. ويمنح الدستور هذه الهيئة صلاحيات واسعة تشمل التعيينات، والنقل، والترقيات، والإجراءات التأديبية بحق القضاة وفقًا المادة 105.
وينصُّ القانون الدستوري رقم 253/2025 على إعادة تنظيم هذه الصلاحيات عبر ثلاث هيئات جديدة. ففي حال فوز خيار نعم في الاستفتاء، سيتم إنشاء المجلس الأعلى للقضاة (القضاة الحكماء) والمجلس الأعلى للمدَّعين العامّين (القضاة المطالبين)، لتولي إدارة مسارات الترقيات والمسؤوليات الوظيفية.
أمَّا السلطة المسؤولة عن العقوبات التأديبية للقضاة فستُحال إلى المحكمة التأديبية العليا، وهي هيئة ذات صفة دستورية تهدف إلى فصل الوظائف الإدارية عن السُّلطة القضائية وتفادي أي تداخل.
وستتألَّف المحكمة الجديدة من 15 عضوًا، منهم 9 قضاة و6 أعضاء من خارج السلك القضائي.
لا يقتصر الإصلاح الذي يقوده وزير العدل «كارلو نورديو» على تفكيك «المجلس الأعلى للقضاء» (CSM)، بل يتجاوز أيضًا المعايير الحالية لاختيار أعضائه.
فحتّى الآن، يُنتخَب أعضاء «المجلس الأعلى للقضاء» وفقًا للمادَّة 104 من الدستور على النحو التالي: ثلثا الأعضاء يُنتخَبون من جميع القضاة العاديين ضمن الفئات المختلفة، بينما يُنتخَب ثلث الأعضاء من البرلمان في جلسة مشتركة من بين أساتذة القانون الجامعي والمحامين الذين لديهم خبرة لا تقلُّ عن 15 عامًا.
ويُعرَف انتخاب الأعضاء القضائيين باسم «التوغات» (togati)، أما الأعضاء المدنيون أو غير القضائيين فيُنتخَبون في المرحلة الثانية من العملية الانتخابية.
وينصُّ الإصلاح الجديد على تعديل هذه المعايير بما يعكس إعادة هيكلة أوسع للمجلس وطرق اختيار أعضائه.
في حال صدور نتيجة نعم في الاستفتاء، سيتم تشكيل المجالس العليا الجديدة عبر اختيار الأعضاء بالقرعة وليس الانتخاب المباشر، ويشمل ذلك الأعضاء القضائيين (togati) وكذلك الأعضاء المدنيين أو غير القضائيين.
فيما يتعلَّق بالأعضاء القضائيين، ستُجرى القرعة بين القضاة ضمن مسارهم الوظيفي الخاص، سواء كانوا قضاة حكماء أو مدَّعين عامّين، وفقًا للطرق التي سيُحدِّدها القانون.
أمَّا بالنسبة للأعضاء المدنيين، فيقتصر اختيار العيِّنة على عدد محدود من المحامين وأساتذة القانون الجامعي يتم تحديدهم من قبل البرلمان.
ولا يشترط القانون أية أغلبية مؤهلِّة للموافقة على "القائمة"، ما يعني عدم وجود ضمانات قوية للأقليات المشاركة، سوى حد أدنى من المشاركة الرمزية في اتِّخاذ القرار.
يشمل نظام القرعة أيضًا تشكيل المحكمة التأديبية العليا، التي ستتألَّف من 15 عضوًا.
بالنسبة للأعضاء القضائيين الـ9، سيتم اختيار 6 قضاة من قضاة الحكماء و3 من المدَّعين العامِّين عبر القرعة، على أن يمتلك جميعهم خبرة لا تقلُّ عن 20 عامًا في المهنة.
أمَّا الأعضاء المدنيون الـ6، فيتم تعيين 3 منهم من قبل رئيس الجمهورية، بينما يُختار الثلاثة الأخرون عبر القرعة من بين أساتذة القانون الجامعي والمحامين المُدرَجين في القائمة البرلمانية المعروفة، مع اشتراط خبرة عشرين عامًا أيضًا.
ويهدف هذا النظام إلى ضمان مزيج من الخبرة القضائية والمدنية في المحكمة التأديبية العليا مع تقليل التأثير السياسي على التعيينات.
أسباب الموافقة والرفض
اقترحت الأغلبية التي يقودها حزب «إخوة إيطاليا» (Fratelli d’Italia) نظام القرعة لاختيار القضاة بهدف التغلُّب على ما يُعرف بالتيارات الداخلية داخل القضاء، والتي يصفها المحامي «ماريو سيكالا» بأنَّها «مراكز قوة، تعبير سياسي، وأدوات للنقاش الفكري».
ويسعى كل تيار داخلي إلى فرض رؤيته حول دور القضاء، مؤثِّرًا بذلك على آليات اتِّخاذ القرار داخل المؤسَّسة، وهو أمر يشبه إلى حد ما ما يحدث في السياسة مع الأحزاب.
من جانبهم، يقول معارضو الاستفتاء (لا) إنَّ نظام القرعة قد يُقلِّل من مكانة المؤسَّسة القضائية ويثير تساؤلات حول المسؤولية والكفاءات، من دون ضمان القضاء الفعلي على تأثير التيارات الداخلية.
ويُتَّهم النظام الجديد أيضًا بجعل القضاء أكثر عُرضةً للضغوط السياسية: فبينما سيتم اختيار ثلث القضاة من قائمة محدودة، سيتم سحب الثلثين الأخرين عبر القرعة من بين آلاف المسؤولين القضائيين، مع احتمال أن تفرض القوانين العادية متطلَّبات إضافية، ربَّما تحت ضغط تنظيمات القضاة.
فصل مسارات القضاة والمدعين العامين
يتماشى فصل المجالس العليا للقضاء مع تعزيز ما يُعرَف بفصل مسارات القضاة والمدَّعين العامِّين، الذي يُطبق فعليًا منذ الإصلاح السابق المعروف باسم «إصلاح كارتابيا».
وقد أرسى هذا الإصلاح فصلًا صارمًا بين وظائف القضاة والمدَّعين العامّين، مع السماح بمرور واحد فقط بين المسارات خلال أول 10 سنوات من الخدمة. وتشير بيانات «المجلس الأعلى للقضاء» في قراره بتاريخ 8 يناير 2025 إلى أنَّ أقلَّ من %1 من القضاة اختاروا هذا الانتقال.
فعلى سبيل المثال، في عام 2023، حدثَ تسجيل ثمانية انتقالات من قاضٍ إلى مدَّعٍ عام و26 في الاتِّجاه المعاكس، أي ما مجموعه 34 قاضيًا من أصل 8,851 موظفًا (%0,38).
ويُلغي مشروع القانون الدستوري الذي يقوده وزير العدل «كارلو نورديو» حتَّى هذا الخيار المحدود، إذ سيكون على القضاة اختيار مسارهم الوظيفي (قضائي أو إدعائي) منذ بداية مسيرتهم المهنية، من دون إمكانية التغيير لاحقًا.
أسباب الموافقة والرفض
يرى مٌؤَيِّدو الإصلاح والاستفتاء (نعم) أن الفصل النهائي للمسارات بين من يحكم ومن يسهم في تحقيق عملية قضائية عادلة وموضوعية يهدف إلى منع أي تقارب ثقافي أو مهني بين القاضي والادعاء.
ومع أن فصل المسارات كان محط نقاشات حادة بين الأطراف السياسية والقضائية، فإنه يُعتبَر عنصرًا ثانويًا مقارنةً بتعديل هيكل «المجلس الأعلى للقضاء». وأكَّدت المحكمة الدستورية على أنَّ فصل القضاة والمدَّعين العامِّين كان بالإمكان تحقيقه من خلال قانون عادي من دون الحاجة إلى مراجعة دستورية معقَّدة.
لذلك، يرى المعارضون للاستفتاء (لا) أن تعديل مسارات القضاة يُمثِّل “طُعمًا” يُستخدَم لتبرير تغييرات أكبر، مثل التفكيك الفوري لِـ «المجلس الأعلى للقضاء».
وفي الوقت نفسه، يُعبِّر المعارضون عن قلقهم من تداعيات مستقبلية محتملة للإصلاح. فهم يخشون أنه بعد الفصل النهائي بين القضاة والمدَّعين العامِّين، قد يحدثٌ إدخال أشكال من التنسيق بين الادِّعاء والحكومة، بحيث يتحرَّك عمل المدَّعين العامِّين ضمن الحدود التي يحدِّدها وزير العدل الحالي.
مع ذلك، يُشدِّد الطرف المعارض على أن هذا ليس سيناريو مباشِرًا أو تلقائيًا، وأن تطبيقه سيتطلب تشريعات إضافية مستقبلية لضمان تنفيذه.
ما الذي لا يغيّره إصلاح القضاء الإيطالي؟
بعد استعراض النقاط الرئيسية لإصلاح القضاء، من المفيد — من أجل تصويت حرٍّ ومستنير — التوقُّف عند ما لا تمثِّله هذه الإصلاحات، بما يساعد الناخبين على تحصين أنفسهم من الخطاب الدعائي للأطراف المختلفة.
بدايةً، فإن وصف المشروع بـ "إصلاح العدالة" يعدُّ توصيفًا غير دقيق، إذ يستند إلى استثمار حالة الاستياء العامَّة من بطء وكفاءة الجهاز القضائي. في الواقع، يتناول القانون الدستوري رقم 253/2025 تنظيم السلطة القضائية نفسها، وليس منظومة العدالة بمعناها الواسع.
فالقانون يركِّز على كيفية تنظيم الدولة للقضاة الذين يطبقون القانون، دون أن يتدخل في مدة الإجراءات القضائية أو كفاءة الإدارة القضائية. وقد شدَّد على هذه النقطة وزير العدل «كارلو نورديو» خلال ندوة عُقدت في مجلس النواب الإيطالي.
ومع ذلك، وكما أشار تحليل موسَّع حول الموضوع، فإن الحملة المرتبطة بالاستفتاء ابتعدت إلى حد كبير عن النقاش الموضوعي، وتركَّزت بدلًا من ذلك على الشتائم والخطاب الانقسامي ومنطق المواجهة السياسية.
وقد بلغ التوتُّر حدًّا دفع رئيس الجمهورية «سيرجو ماتّاريلّا» إلى التدخُّل بشكل غير معتاد، داعيًا الأطراف المختلفة إلى «الاحترام المتبادَل» في النقاش العام.
وفي حين يُتَّهم مؤيِّدو خيار نعم بالخلط بين مفهومي العدالة والسلطة القضائية واستغلال بعض الوقائع القضائية في خطابهم، يرى مراقبون أن معارضي الإصلاح بدورهم لا يَقلُّون مبالغة، إذ يُحذِّرون من سيناريوهات وشيكة قد تقود — بحسب تعبيرهم — إلى نظام ذي طابع استبدادي.


شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.